عندما يصبح الوطن أقل راحة من المنفى

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

ثلاث سنوات عجاف فصلت بيني وبين حبيبتي أم درمان. ثلاث سنوات كان ابتعادي عنها غياباً قسرياً فرضته الحرب اللعينة، حفر في ذاكرتي يوم حملت حقيبتي وغادرت وطناً كان يحترق، وأنا أمنّي النفس بيوم أعود فيه لأجده قد نهض من رماده.

قبل ثلاثة أيام سابقات حين وقفت في محطة قطار رمسيس بالقاهرة، لم أكن أبدأ رحلة سفر فحسب، بل كنت أبدأ رحلة مراجعة لوطنين. أطلق القطار صافرة مغادرته إلى أسوان في موعده، وكأن الزمن نفسه يحترم الركاب. محطة نظيفة، مقاعد مريحة، خدمة واضحة، ولوحات إرشادية لا تترك المسافر حائراً. قضيت ليلة في أسوان، ثم تحركت إلى كركر، ومنها إلى أرقين عبر الباصات السفرية، وهناك بدأت المقارنة تفرض نفسها دون أن أبحث عنها.

منذ أول خطوة نحو الحدود، كان الأسفلت يرفع صوته قائلاً: هنا طريق معبد يختصر المسافة، وهنا محطات منظمة، وخدمات لا تتوقف، وتأشيرة تُنجز وفق نظام واضح، وإجراءات مغادرة ودخول تحترم وقت المسافر وكرامته. أما هناك على الجانب الآخر، فقد بدا كل شيء مثقلاً بآثار الحرب؛ التفتيش، الجمارك، الانتظار، وتعقيدات الإجراءات، وكأن المسافر مطالب بدفع ثمن ح.رب لا ناقة لهم فيها ولا جمل وهو يعبر عائداً إلى وطنه.

نعم، لم تكن المقارنة بين مصر والسودان تحتاج إلى دفتر ملاحظات؛ كنت أراها أمامي في كل التفاصيل في المحطة. الإنترنت حاضر وسريع، الاتصال لا ينقطع، بينما أصبح الاتصال هناك رفاهية في كثير من المناطق. وسائل الترحيل تعمل وفق مواعيد معلومة، والمركبات متوفرة، أما هناك فما زالت الطرق والمواصلات تحاول التعافي من خراب الح.رب وعبث الطغاة.

حتى المستشفى كان يروي قصة مختلفة؛ خدمات صحية يمكن الوصول إليها بكل سهولة، ودواء متوفر، ومرافق تعمل، بينما لا تزال مؤسساتنا الصحية هناك تكافح لاستعادة الحد الأدنى من أبسط قدرتها على خدمة المواطنين. وفي أسواق المواقف والمحطات كانت المفارقة أكثر قسوة. الماء، والطعام، والشاي، والقهوة، الحمامات، وأجرة المركبات… كلها كانت أقل كلفة وأكثر جودة. أما الجنيه السوداني، فقد بدأ وكأنه يحمل وجع وطن أكثر مما يحمل قيمة عملة، بعد أن فقد كثيراً من قوته أمام الجنيه المصري، فأصبحت المقارنة اليومية تذكيراً مؤلماً بحجم الانهيار الذي أصاب الاقتصاد السوداني.

يشهد الله أني لم أكتب هذه السطور لأمدح مصر، ولا لأجلد السودان، فالأوطان لا تُقارن حباً، وإنما تُقارن بما تقدمه لمواطنيها. وما رأيته لم يكن انتصاراً لبلد على آخر، بل انتصاراً لفكرة الدولة حين تكون مؤسساتها حاضرة، وهزيمة لها حين تغيب.

نعم عدت إلى حضن حبيبتي أم درمان، وفرحة العودة لا توصف، لكنني عدت أيضاً محملاً بأسئلة ثقيلة. أدركت أن الوطن لا يُقاس بعدد الخطب ولا كثرة الشعارات، بل بطريق آمن، ومستشفى يعمل، ومدرسة تفتح أبوابها، وإنترنت لا ينقطع، ومرفق عام يحترم الإنسان.

بين الحين والآخر كنت أختلس النظر لوجوه رفاق رحلة العودة معي في البص السفري ومن التقيهم في محطات الراحة والمقاهي والكافتريات، جميعهم تبدو على وجوههم تقاسيم ثلاث سنوات من الح.رب وقسوة اللجوء والغربة والانتظار، نظرات عيونهم تسبق خطاهم بحثاً في تراب وطن عن شيء لا تستطيع المنافي ومناطق اللجوء أن تمنحهم له، اختلطت مشاعر الخوف بالحنين والدموع بالابتسامات، وحكاوي لا يمكن غض الطرف عنها عن فقدان الأعزاء وصمود الأطفال والنساء وكبار السن، ورغم ذلك كله كان الوطن أدفأ من كل المنافي.

ولعل أقسى ما تعلمته في هذه الرحلة أن الحنين قادر على إعادتك إلى الوطن، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد الوطن إلى ما كان عليه. أما ما رأيته بعد دخولي أم درمان… فتلك حكاية أخرى، وربما تكون أكثر وجعاً مما رأيته بين رمسيس وأرقين.

لكن رغم ذلك أردد مع الشاعر صادقاً: بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام

#السودان #أدب_رحلات #أم_درمان #واقع #حنين #ذاكرة #مقارنة #أمل #إنسانية #وطن

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.