عبدالله رزق أبو سيمازة
من صدور “الإخوة كارامازوف” لدوستويفسكي، حتى “كانكان العوام يموت مرتين” لخورخي أمادو، يبدو أنه قد مرّت مياه غزيرة تحت جسر الإبداع الروائي، بما قد يسمح بالتساؤل عما إذا كانت الرواية تعيد إنتاج نفسها خلقاً جديداً. مع ذلك، فإن ما بين المنزلتين اللتين يمكن إنزال كل واحدة من الروايتين فيهما، ثمة مستقر -ربما إلى حين- لأعمال من قبيل: “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، و”دومة ود حامد” للطيب صالح، و”قصة موت معلن” لغابرييل غارثيا ماركيز، و”تمثال الكلب النوبي” لعبد العزيز بركة ساكن، و”مخمسات كوكو القصاري” للزين بانقا.
ربما يطال التساؤل “الكتاب” كماعون للسرد الروائي نفسه، مثلما يطال فعل الكتابة كتقنية اتصالية، لجهة استكناه أثر التطورات الأخيرة، لا سيما ثورة تكنولوجيا الاتصالات، على الكتاب، وعلى عادات القراءة، وعلى تكنيك الخلق الكتابي، وعلى صناعة الكتاب نفسه، والتقرير عما إذا كان الكتاب في أزمة، أم أن ثمة حاجة -لا أكثر- تطرح نفسها لإعادة تعريف الكتاب في ضوء تلك التطورات والمستجدات.
لأجل تحديد أكثر دقة، يمكن حصر التساؤلات في حيز واحد هو الرواية؛ فالرواية وماعونها الكتاب تنحو حثيثاً نحو “كتاب الجيب”، شكلاً ومضموناً، بما ينطوي عليه ذلك من مهارات كتابة وتقنيات متميزة، والذي يمكن النظر إليه كمحصلة “تواطؤ بناء” ثلاثي الأطراف يجمع بإحكام الصلة بين القارئ والكاتب والناشر، حتمته شروط تاريخية معينة. هذا التطور قد يقود بدوره للتساؤل عن ماهية الرواية؛ هل يتم تعيينها ضمن محددات أخرى بقياسات الحجم مثلاً، ويشمل ذلك عدد الصفحات أو عدد الكلمات، أم بالبايتات كما تقترح التكنولوجيا الحديثة وإصدارات “بي دي إف”، وقد سبقها إلى الوجود “الكتاب المسموع” كأحد معطيات التطور التكنولوجي أيضاً؟ هل من الممكن نقدياً، في ضوء التعريف أو التعيين السابق، الحديث عن “رواية قصيرة”، أو عن “قصة قصيرة طويلة”؟
فالرواية وهي تقطع المسافة نحو القصة القصيرة، تتخلص من كثير من عناصر بنيانها الملحمي، من كثير من الشخوص والأحداث ومن المناخات الدرامية. يعتبر حدثاً ذا مغزى في هذا السياق، فوز أحد أعمال أحمد المصطفى الحاج “كنداكيس”، والذي “يقف على مسافة واحدة” من الرواية ومن القصة القصيرة، بجائزة مركز عبد الكريم ميرغني للإبداع الروائي في أحد مواسمه. في إحدى السنوات السابقة، نظم المجلس الثقافي الفرنسي جلسة لمناقشة رواية لأحد الكتاب الفرنسيين زار الخرطوم، دعا إليها عدداً من المهتمين من الكتاب والصحفيين والنقاد، غير أن النقاش لم يتطرق بالتعريف -أو إعادة التعريف- للرواية صغيرة الحجم التي حملت عنوان “Elle” أو “هي”، كما ترجمتها الأستاذة إيمان ساتي الموظفة بالمركز، أو موقعها من الأجناس القصصية.
يلاحظ أن هذا التطور لم يقتصر على الرواية، وإنما شمل الشعر أيضاً، حيث أصبحت الدواوين الصغيرة تزحم أمكنة العرض. ويبدو أن ما ينقصنا هو الكاتب صاحب النفس الطويل، والقارئ الصبور، مما أتيح لما يمكن تسميته بـ”العصر الذهبي”، بجانب الناشر المنذور كلياً لخدمة المعرفة.
ما هو جدير بالاعتبار هو مساهمة منصة “تويتر” (سابقاً)، “إكس” (لاحقاً)، في تلمس ملامح نشر المستقبل واقتراح حجمه ومساحته بالكلمات، وبالبايتات بالضرورة، وسط ادعاءات متنامية في السوشال ميديا عن نفاد صبر القارئ وتضجره من النصوص فائقة الطول. ولكن لا يبدو أن ثمة يقيناً نهائياً بشأن العلاقة الجدلية بين “الماعون الروائي” (إن جاز التعبير) من جهة، والمضمون السردي من الجهة الأخرى، كجدلية جمالية وليس محض علاقة شكلية. فعبد الرحمن منيف، صاحب “مدن الملح” (الرواية ذات الأجزاء الخمسة) والقصيرة (إن صح التصنيف) “حين عبرنا الجسر”، على سبيل المثال، وبعد أن أنجز “شرق المتوسط”، عاد ليكتب الرواية نفسها بصورة موسعة تحت عنوان “شرق المتوسط، مرة أخرى”. ويقال الشيء نفسه عن خورخي أمادو، الذي لم يكتفِ برواية “كانكان…” القصيرة جداً، فقد أبدع كذلك “غابرييلا، قرفة وقرنفل” الفارهة الفارعة الطول.
ومما هو جدير بالتنويه في هذا السياق أيضاً، أن لفيدور دوستويفسكي قصصاً قصيرة بحساب عصره، هي روايات مما نعدُّ هذه الأيام.
#نقد_أدبي #رواية #قصة_قصيرة #أدب #إبداع #تكنولوجيا #ثقافة #سرد #دوستويفسكي #أدب_سوداني

Leave a Reply