تعز… المدينة التي تنهض من بين الركام

صحيفة الهدف

 بشرى نصير
كاتبة من اليمن

بين ثنايا جبال تعز، حيث تتعانق السماء مع قمم “صبر” الشامخة، تنبثق حكايةٌ لا تُروى بالكلمات، بل تُستشعر بالقلب. تعز ليست مجرد مدينة، بل هي لوحةٌ أزلية رسمتها أيدي الأجداد، وتعبدت في تفاصيلها أرواحهم المتعبة التي زرعت في الأرض بذور الصمود.

حقولها ليست مجرد مساحات خضراء، بل هي صفحاتٌ طُويت فيها ملاحم الكفاح؛ كل شجرةٍ هناك ليست مجرد كائنٍ حي، بل هي راويةٌ صامتة، تحتفظ في لحائها بتفاصيل حكاياتٍ لم تدركها كتب التاريخ، قصصٌ همس بها الأجداد للتربة، فأنبتت عزيمةً لا تلين.

تطل البيوت بطلتها الفريدة؛ جدرانٌ يكسوها الطوب الأبيض الناصع، مزينةٌ بزخارف هندسية تعكس ذائقةً فنيةً تتحدى الزمن. هذه البيوت لم تكن مجرد مأوى، بل كانت حصوناً للدفء والجمال وسط جغرافيا قاسية. وإذا ما سرت في طرقاتها، فكل حفرةٍ في الطريق ليست عيباً في الأرض، بل هي نُدبةُ بطل، كل فجوةٍ تنظر إليك بعين الحكمة لتقول: “كما تجاوزتَ هذه العثرة، ستتجاوز عثرات الأيام”. إنها تعز التي لا تكسرها الحفر، بل تعلمنا كيف ننهض بعد السقوط أكثر صلابةً وأعمق إصراراً.

مساجدها، تلك المنارات التي تزهو باللون الأصفر، تشبه شمس تعز في إشراقها. قد تبدو صغيرةً في الحجم، لكنها فسيحةٌ في الطمأنينة؛ تدخل إليها لتجد رحابةً تضيق بها القلوب في الخارج، ومساحاتٍ من السكينة تحتضن هموم المتعبين والمحاربين.

ثم تأتي “حيفان”، بلفّاتها التي لا تنتهي، تلك المنعطفات التي تشبه تقلبات الأيام؛ تلتف بك الدنيا كما تلتف بك طرقاتها، لكنك في كل لفةٍ تكتشف زاويةً جديدةً من الجمال، وتدرك أن الوصول مجرد تفصيلٍ صغير أمام متعة الرحلة وعمق التجربة.

يقتلها الغياب، ويحاصرها العابرون بأطماعهم، ويمزق جسدها أعداء الجمال، لكنها تعز؛ التي تغسل جراحها بدموع المطر، وتنهض من بين الركام في كل مرةٍ أقوى مما كانت عليه. هي المدينة التي لا تموت، لأنها لا تحيا في المكان فحسب، بل تحيا في ذاكرة من أحبها، وفي نبض من سار في طرقاتها.

تعز هي حكاية الزمن الذي أبى أن ينكسر، وهي القصيدة التي تكتبها الأرض يومياً، بلغةٍ لا يعرفها إلا من أدرك معنى أن تكون يمنياً، ومعنى أن تكون شامخاً كالجبال.

#تعز #اليمن #صمود #جمال #أدب #ذاكرة #أرض #ثقافة #حكاية #جبال_صبر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.