محمد شريف
من بين كل عواصم الأرض، قررت الأمم المتحدة أن تعقد “منتدى الخدمة العامة” في مدينة تبليسي الجورجية. قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى مجرد اختيار دبلوماسي مريح، حيث الطبيعة الخلابة وكرم الضيافة القوقازي. لكن التعمق في التفاصيل يكشف عن مأساة ساخرة، ونكتة سوداء تليق بعباقرة الأدب الروسي. تبليسي، يا سادة، هي المدينة التي أطلقت اسم الكاتب الروسي الساخر أنطون تشيخوف على أحد شوارعها. وتشيخوف ليس مجرد كاتب عابر، بل هو الرجل الذي خلّد البيروقراطية في أبهى وأبشع صورها عبر قصته الشهيرة “موت موظف”.
تخيلوا المشهد: وفود أممية رفيعة المستوى، ترتدي بدلاتها الفاخرة التي لم تعرف غبار المكاتب الحكومية يوماً، تسير في شارع “تشيخوف” متوجهة إلى قاعات المنتدى لمناقشة “تطوير الإدارة العامة، والابتكار في خدمة المواطن”. مفارقة تجعل تشيخوف نفسه يتقلب في قبره ضاحكاً، أو ربما باكياً.
إيفان ديمتريتش… الموظف الذي مات من العطس!:
لكي نفهم عمق الرابط بين هذا المنتدى وتشيخوف، علينا أن نتذكر بطل قصته، الموظف البسيط “إيفان ديمتريتش تشيرفياكوف”. في القصة، يعطس إيفان بالخطأ على صلعاء جنرال يجلس أمامه في المسرح. وبدلاً من أن تمر الحادثة بسلام، يستبد بالموظف “رعب بيروقراطي” متأصل في جينات الخدمة العامة. يقضي الرجل أيامه لاهثاً خلف الجنرال للاعتذار، مكرراً محاولاته لإثبات أنه لم يكن يقصد “إهانة المقامات العليا”. ينتهي الأمر بالجنرال بالصراخ في وجهه طارداً إياه، فيعود إيفان إلى منزله، وينبطح على الكنبة… ويموت!
مات إيفان ليس بسبب العطسة، بل بسبب “الفوبيا الإدارية” والخوف من غضب السلطة؛ وهي المتلازمة التي ما زالت تعاني منها الخدمة العامة في معظم دول العالم، والتي يجتمع المسؤولون في تبليسي اليوم لعلاجها بـ “حقن” من التوصيات والخطابات الرنانة.
المنتدى الأنيق والواقع البيروقراطي المريض:
بينما يناقش المنتدى في قاعاته المكيفة “التحول الرقمي” و”الحوكمة الرشيدة” و”تسهيل الإجراءات”، لو استدار أي مسؤول ونظر من النافذة نحو شارع تشيخوف، لوجد روح “إيفان” تطوف المكان.
إن الرابط السحري هنا هو أن الأمم المتحدة تحاول إقناعنا بأن الخدمة العامة يمكن إصلاحها بـ “المنتديات”، بينما يعلم المواطن البسيط أن البيروقراطية كائن حي يتغذى على الأوراق والأختام والملفات الوردية.
دعونا نتخيل لو أن “إيفان ديمتريتش” بُعث حياً وحضر هذا المنتدى في تبليسي:
* أولاً: لكان قد قضى ثلاثة أشهر يدور بين المكاتب للحصول على “تأشيرة دخول” وحق حضور المنتدى، ولأجبروه على تقديم شهادة خلو من العطاس!
* ثانياً: لو دخل القاعة وعطس بالخطأ على رئيس الوفد الأممي، لكانت أجهزة الأمن قد اعتبرت العطسة “عملية إرهابية بيولوجية تستهدف السلم الدولي”.
* ثالثاً: بدلاً من الموت على الكنبة، لكان قد مات بجلطة دماغية وهو يحاول فهم مصطلحات المنتدى مثل “الهندرة الإدارية” و”الاستدامة المؤسسية”.
مفارقة الابتكار في شارع تشيخوف:
إن تسمية شارع باسم تشيخوف في مدينة تستضيف منتدى للخدمة العامة هي قمة الكوميديا الإلهية. تشيخوف قضى حياته يشرح جثث الموظفين الحكوميين نفسياً، ويسخر من عبوديتهم الاختيارية للرتب والمناصب. واليوم، يجلس الموظفون “الكبار” في نفس المدينة ليضعوا استراتيجيات لراحة الموظفين “الصغار”.
يتحدثون عن “تمكين الموظف”، في حين أن السيستم (النظام الإداري) في كل بلاد العالم مصمم لجعل الموظف مثل بطل تشيخوف: ترساً صغيراً مرعوباً، يخاف أن يفكر خارج الصندوق لئلا يتعثر في خطأ إداري ينهي مسيرته المهنية. يتحدثون عن “المرونة”، والواقع يقول إنك إذا أردت استخراج شهادة ميلاد أو تجديد رخصة، فعليك أن تمر بسبع جهات، وتستعطف مئة “إيفان” خلف الزجاج، كل منهم يخشى الجنرال الذي فوقه.
التوصية الختامية: لو كان تشيخوف بيننا
في ختام هذا المنتدى الأنيق، ستصدر الوفود بياناً ختامياً طويلاً، عريضاً، مليئاً بالوعود التي ستُحفظ في أدراج مكاتب الخدمة العامة ليتراكم عليها الغبار.
لكن، لو كان هناك ذرة من الوفاء لروح الشارع الذي يعقدون فيه منتدى تجميل البيروقراطية، لكانت التوصية الأولى والوحيدة للمنتدى هي: “أيها المسؤولون، ارحموا الموظفين والمواطنين، ولا تجعلوا أحداً يموت بسبب عطسة في حضرة جنرال!”.
إلى ذلك الحين، ستبقى تبليسي تبتسم ساخرة، ويبقى شارع تشيخوف شاهداً على أن الخدمة العامة العالمية ما زالت، في جوهرها، قصة قصيرة حزينة… يكتبها مسؤول كبير، ويموت في نهايتها موظف صغير.
#ملف-الهدف-الثقافي #تبليسي #البيروقراطية #تشيخوف #الإدارة_العامة #مقال

Leave a Reply