بقلم الأستاذ عزالدين القوطالي ـ تونس ـ
الأستاذ بدرالدين مدثّر ذلك المناضل السوداني الكبير الذي كرس حياته كلها من أجل أن يكون السودان عربيا حرّا مستقلا ، ومن أجل أن ترتفع رايات العروبة خفّاقة في أصقاع الوطن العربي الكبير من المشرق الى المغرب ، ومن أجل أن يرفع الظلم وتزول الظلمات عن الشعب العربي فينهض من ركام أحزانه ويحقق أهدافه الكبرى في الوحدة والحرية والإشتراكية …
إنه صاحب الهمّة ومنبع العطاء ومصدر الإلهام ورجل المهمّات الصعبة والعدوّ الأول للإستبداد والقائد الميداني الذي شقّ طريق القومية العربية على أرض السودان ونحت باظافره ملاحم الصمود والتصدّي في وجه الإنعزاليين والمستبدّين والمتاجرين بالدين على حد سواء ، فهو الذي قال يوما : نحن البعثيون وأبناء شعبنا الشرفاء لا نعرف وفاء للشهداء وذكراهم إلا بمواصلة النضال من أجل تحقيق ما استڜهدوا من أجله ومواصلة النضال من أجل ترسيخ الديمقراطية وحمايتها من قوى الردة وبقايا مايو ومن التآمر المكشوف والملتوى ، وهو أيضا صاحب الشعار الشهير الذي بقي مدويا في سماء السودان وملهما لأجيال وأجيال : الشعب أقوى والردة مستحيلة ، وهو السياسي الحركي الذي ربط الفعل بالعمل والقول بالفعل وكرّس اهتمامه للآخرين وفي سبيل الآخرين وظل الحزب في البداية والنهاية حياته الحقيقية اليومية الى أن توفاه الله .
وترجع علاقة الأستاذ بدر الدين مدّثر بمؤسس البعث ميشيل عفلق الى سنة 1961 إذ إلتقى به لأوّل مرّة في بيروت ثمّ أصبح يلازمه كظله بعد إلتقائهما في بغداد وإستقرارهما فيها ، وعن ذلك اللقاء التاريخي الأول يقول بدر الدين مدّثر : كان لقائي الأول مع خالد الذكر الأستاذ ميشيل عفلق في أوائل شهر تموز من منتصف عام 1961، والحقيقة أنها كانت عدة لقاءات تمّت في بضعة أيام بشقة متواضعة في حي من أحياء بيروت ، وكان اللقاء والجلسات في قاعة متوسطة ليس بها غير مجموعة كبيرة من كراسي الخيزران الصغيرة وبضعة مناضد أصغر حجما ، وأول ما لفت نظري قبل دخولي الى القاعة هو مظهرها هذا الذي جعلنا نألفها بسرعة ونحن طلاب الجامعة القادمون من السودان ، لم نستغرب مظهرها لأنه قد علق في أذهاننا جميعا مانشيت عريض قرأناه في مجلة روزاليوسف المصرية قبل هذا اللقاء ببضع سنوات يتحدّث عن فيلسوف البعث الذي يسكن غرفة رطبة في أحد أحياء القاهرة … في بعض تلك اللقاءات والجلسات حضر معنا مجموعة من الزملاء الإشتراكيين العرب ، وفي أغلب الجلسات حضر معي أحد الرفاق الآخرين من ممثلي أول قيادة فرقة حزبية في السودان والتي إنتهت لتوّها من عقد مؤتمرها الأول ، وأوّل ما إسترعى إنتباهنا كبعثيين وإشتراكيين عرب هو أسلوبه الهادئ في الحديث وكلماته الواثقة وإخراجه للكلمات من غير عجلة مصحوبة بتعبير في وجهه ينسجم مع كل كلمة وربما يغني عنها لمن إعتاد الحديث معه ، لقد أحسسنا جميعا ونحن نستمع الى كلماته الأولى أنه شديد الإحترام للكلمة ومن فرط صدقه يحرص على إختيار كلماته قبل أن ينطق بها حتى تكون دقيقة الدلالة على ما فيها من خبر أو رأي ، وشعرنا آنذاك بأن ذلك كان درسه الأول لنا وكأنه كان يريد أن يقول بأن الثورية ليست في الصياح وعلو الصوت وأنه ليس هناك ما هو أغلى من الكلمة في الحياة فأحرصوا على أن لا تلقوا الكلمات جزافا ، وكان بذلك نقيضا لكلّ ما ألفناه من ممارسات وأساليب الزعماء الذين عرفناهم من قبل … وبالنسبة لي شخصيا أحسست منذ ذلك اللقاء بأني أولد من جديد ، فقد تعلمت وتعلّم معي الكثير كيف أن حب الأمة والشعب قد قادا الأستاذ عفلق الى حب التراث والإسلام والتطلع الى العصر والتقدم في توازن مبدع خلاق وملهم ومؤثر في كلّ من يقترب منه ويستمع إليه … تعلّمت منه حب الحياة الحقيقية حياة المعاناة والتقدم والصعود الى أعلى ومكابدة الآلام والعزوف عن الترف … لقد صاغ فقيدنا الراحل ميشيل عفلق المنطلقات الحية الثابتة للفكر القومي الإشتراكي وفتح آفاقا جديدة لحركة الثورة العربية فأستحق بجدارة لقب معلم الأجيال والقائد المؤسس لأنضج مدرسة فكرية وتربوية وأخلاقية في البلاد العربية … ولهذا كله ظل الأستاذ ميشيل عفلق حاضرا بيننا بعقله النير وأفكاره العميقة التي تمثل معينا لا ينضب ، وظلت كلماته التي لا يزيدها مرور الزمن إلاّ توهّجا وعمقا في فهم الدلالات والأبعاد ، وظلّ في البداية والنهاية خالدا في نفوس المناضلين ليس بمعين فكره فحسب وإنما أيضا بحزمة الضوء المشعّة على صعيد الوطن العربي والأفكار الحية التي تدفقت لأكثر من أربعين عاما وأينعت بكل ما يعزز نضال أمتنا …
وبهذه الكلمات إختصر الأستاذ بدر الدين مدّثر تاريخ اللقاء الأول والفكرة الأولى والكلمة الأولى ، فكان إختصاره كتابا مفتوحا له أوّل وليس له آخر حول رجل شغل الوطن العربي وكان له تأثيره في عقول أجيال من الشباب تربّوا على شعار الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة فكانوا بحقّ خير من رفع الشعار وحمل الرسالة …

Leave a Reply