صالح اشواك
من أكثر الظواهر إثارة للتأمل في الشأن الإرتري أن تجد أشخاصاً غادروا البلاد هرباُ من بطش النظام، وفروا من الخدمة الوطنية المفتوحة، أو من الاعتقال، أو من القمع السياسي، ثم ما إن استقروا في بلدان المهجر حتى أصبحوا من أشد المدافعين عن النظام الذي اضطرهم إلى مغادرة وطنهم.
قد يبدو هذا السلوك متناقضاً للوهلة الأولى، لكنه يدفع إلى التساؤل ( كيف يمكن لمن كان ضحية للاستبداد أن يتحول إلى مدافع عن السلطة التي تسببت في معاناته؟)
لا يمكن تقديم إجابة واحدة لهذا السؤال، لكن البعض يستعيرون مفهوم (متلازمة ستوكهولم) بوصفه مجازاُ سياسياً يفسر كيف قد ينشأ لدى بعض الضحايا ارتباط نفسي بالجهة التي مارست عليهم السيطرة أو الإكراه. ولا يعني ذلك تشخيصاً طبياً لهؤلاء الأفراد، وإنما محاولة لفهم إحدى الآليات النفسية التي قد تتشكل تحت وطأة الخوف الطويل والتأقلم مع القمع.
فالإنسان الذي عاش سنوات في ظل سلطة لا تسمح بالنقد، وتربى على أن النظام هو الوطن، وأن سقوط السلطة يعني انهيار الدولة، قد يحمل هذه القناعات معه حتى بعد خروجه من البلاد. فالهجرة تنقل الجسد إلى فضاء الحرية، لكنها لا تضمن تحرر العقل من آثار سنوات طويلة من التلقين والخوف.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر، هو أن الاعتراف بأن النظام الذي دافع عنه الإنسان أو ضحى في سبيله قد تحول إلى سلطة قمعية، يمثل مراجعة مؤلمة لتاريخه الشخصي وقناعاته السابقة. ولذلك قد يختار البعض الدفاع عن النظام حفاظاً على اتساق صورته الذاتية، أو هرباً من مواجهة حقيقة أن سنوات من العمر ذهبت في خدمة مشروع انتهى إلى نقيض شعاراته.
ومن اللافت أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتأييد النظام، بل يهاجمون ضحاياه، ويشككون في معاناة المعتقلين واللاجئين، بل وربما يبررون الانتهاكات باعتبارها ضرورات وطنية. وهنا يبدو أن الدفاع لم يعد دفاعاً عن سياسات معينة، بل أصبح دفاعاً عن رواية كاملة يصعب على صاحبها التخلي عنها.
ولا يعني هذا أن جميع المؤيدين في المهجر ينطلقون من الدافع نفسه، فهناك من يؤيده عن قناعة سياسية، أو بدافع الخوف على استقرار البلاد، أو رفضاً لبدائل المعارضة. لكن تبقى فئة أخرى يستحق موقفها التأمل، لأنها عاشت تجربة القمع نفسها، ثم أصبحت تدافع عن من تسبب فيها.
إن فهم هذه الظاهرة لا ينبغي أن يكون مدخلا لإدانة الأشخاص أو ازدرائهم، بل لفهم الأثر العميق الذي تتركه الأنظمة الشمولية في وعي الإنسان. فالاستبداد لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى أيضا إلى تشكيل العقول، بحيث يبقى تأثيره حاضراً حتى بعد مغادرة حدوده.
ولعل التحدي الأكبر أمام الإرتريين في المهجر ليس فقط التحرر من سلطة النظام، بل التحرر من الإرث النفسي والفكري الذي تركه في نفوس كثيرين. فالحرية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنسان قادرا على الفصل بين حب الوطن والدفاع عن السلطة، وبين الوفاء لتاريخ النضال والقبول بما آل إليه ذلك التاريخ من استبداد وانتهاكات.

Leave a Reply