انتفاضة ديسمبر السودانية: الجماهير حين تستعيد الأمة العربية وعيها التاريخي

صحيفة الهدف

قراءة قومية في الذكرى السابعة لانتفاضة ديسمبر 2018 الثورية، ومسار المشروع العربي التحرري

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

في حياة الأمم لحظات لا تُقاس بنتائجها السياسية المباشرة، بل بما تكشفه من طاقات كامنة في أعماق الشعوب. لحظات يخرج فيها التاريخ من قصور الحكام ليعود إلى أصحابه الحقيقيين: الجماهير. وتبقى انتفاضة ديسمبر السودانية، وما تجلى فيها من زخم شعبي، واحدة من هذه اللحظات الفارقة.

ففي ديسمبر 2018، خرج مئات الآلاف في مدن السودان، من الخرطوم إلى مدني ونيالا ، مطالبين بإسقاط النظام القائم، قبل أن يتحقق ذلك في أبريل 2019، ثم تتجلى الذروة في يونيو 2020. لكن الرحلة لم تستقر، بل تحولت إلى حرب مدمرة منذ أبريل 2023، أدت إلى نزوح الملايين ومجاعة تهدد البقاء، مما يطرح السؤال: كيف تحولت الانتفاضة إلى حرب، وما الدرس الذي تتركه للأمة العربية؟

الجماهير في الفكر القومي: من الكثرة إلى الرسالة

في الفكر القومي العربي، لم تكن الجماهير مجرد كتلة بشرية تتحرك عند الحاجة، بل جوهر العملية التاريخية. فأعاد الأستاذ ميشيل عفلق الاعتبار للإنسان العربي بوصفه صانع التاريخ لا موضوعه. فالجماهير ليست بديلاً عن الأمة، بل هي الأمة في لحظة وعيها التاريخي حين تنتقل من موقع التلقي إلى موقع الفعل.

والثورة في هذا المنظور ليست انتقال السلطة من يد إلى أخرى، بل انتقال المجتمع من الجمود إلى الخلق والإبداع. وهي بهذا ليست رد فعل عابر، بل فعل تاريخي يعيد للإنسان قدرته على الحرية والمسؤولية. وقد أكد صلاح البيطار أن الثورة ليست مجرد تغيير حكومة، وإنما تغيير في بنية المجتمع ذاته.

ومن هنا، فإن قيمة انتفاضة ديسمبر لا تكمن في إسقاط نظام فقط، بل في كشفها أن الشعوب قد تصمت طويلاً، لكنها لا تفقد قدرتها على الفعل. وأن التاريخ ليس ملكاً للنخب وحدها، بل تكتبه الجماهير حين تتجاوز الخوف وتتحول من موضوع للسياسة إلى فاعل فيها.

السودان والمشروع القومي العربي: لا يمكن قراءة التجربة السودانية بمعزل عن موقع السودان في المشروع القومي العربي. فالسودان لم يكن يوماً هامشاً في التاريخ العربي، بل كان أحد روافده الحضارية، ومجالاً للتفاعل الخلاق بين الانتماء العربي والإفريقي.

فاستقرار السودان ونهضته ليست قضية داخلية فحسب، بل قضية عربية أيضاً. فالأمة العربية، كما أكد الفكر القومي، ليست مجرد مجموع أقطار متجاورة، بل فضاء تاريخي وحضاري واحد تتأثر أجزاؤه بعضها ببعض. وعندما يضعف السودان، يضعف جزء من القوة العربية، وعندما ينهض، يضيف للأمة كلها رصيداً جديداً.

دروس النكسة: لماذا تتعثر الثورات؟: تكشف التجربة السودانية، كما كشفتها تجارب عربية أخرى، أن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة إسقاط البنية التي أنتجتها. فالثورة تستطيع إزالة النظام السياسي، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة البنية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تعيد إنتاج الأزمات.

وقد عانت انتفاضة ديسمبر من ثلاثة تحديات جوهرية:

أولاً: غياب الرؤية الموحدة للمرحلة الانتقالية. فالقوى الثورية اتفقت على هدف إسقاط النظام، لكنها اختلفت حول ملامح البديل، مما خلق فراغاً سياسياً استغلته القوى المضادة للثورة.

ثانياً: تشظي النخب وتصارعها على السلطة. تحول الزخم الشعبي إلى صراع نخبوي، وأهملت الجماهير التي صنعت الانتفاضة، مما أضعف شرعية التجربة وأفقدها تماسكها.

ثالثاً: غياب المشروع الاقتصادي البديل. بقيت الهياكل الاقتصادية التي أسست للأزمة قائمة، فلم تتحسن معيشة المواطن، وتراجع الأمن الغذائي، وازدادت البطالة والفقر، مما هيأ المناخ لعودة الانقلابات.

وهذا يؤكد أن الثورة ليست لحظة إسقاط، بل بداية مسؤولية، وأن غياب التنظيم والمشروع الواضح يحول الانتصار السياسي إلى فرصة ضائعة، بل قد ينقلب إلى نكسة أشد وطأة.

السلمية قوة أخلاقية لا تكتيك: حين تختار الجماهير الكفاح الشعبي السلمي دفاعاً عن كرامتها، فإنها لا تمارس السلبية، بل تمارس أحد أرقى أشكال المقاومة، لأنها تنزع عن الاستبداد شرعيته الأخلاقية، وتعيد بناء العلاقة بين المجتمع والحرية على أساس الإرادة الحرة لا الإكراه.

فالقيمة التاريخية لانتفاضة ديسمبر لا تكمن في سلميتها بوصفها تكتيكاً، بل في تحويل السلمية إلى قوة أخلاقية قادرة على تعبئة المجتمع واستنهاض طاقاته. لكن السلمية وحدها لا تصنع دولة، ولا تحمي مكاسب الثورة، إذا غاب عنها المشروع السياسي والتنظيمي القادر على ترجمتها إلى مؤسسات.

ماذا بعد سبع سنوات؟: بعد سبع سنوات من اندلاع انتفاضة ديسمبر، قد يختلف السودانيون حول التقييم السياسي لتجربتهم. لكن هناك حقيقة يصعب إنكارها: أن الجماهير السودانية أثبتت أنها قادرة على صنع الحدث، حتى وإن تعثرت النخب في إدارة نتائجه.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم، في ظل حرب مدمرة ونزوح ومجاعة، ليس فقط ماذا حققت الانتفاضة، بل ماذا نفعل بما كشفته؟ فالانتفاضة وحدها لا تبني دولة، والعاطفة وحدها لا تصنع مستقبلاً.

ما يحتاجه السودان اليوم هو مشروع وطني جامع، يقوم على:

– إرادة سياسية موحدة تنهي الحرب وتعطي الأولوية للدولة قبل الفصائل.

– برنامج اقتصادي واضح يعيد بناء الإنتاج الزراعي والصناعي ويوفر شبكة أمان غذائي.

– إصلاح مؤسسي جذري يعيد بناء الثقة بين الجماهير والنخب ويحارب الفساد.

– استثمار في الإنسان السوداني، لأنه، كما أكد الفكر القومي، شرط النهضة الأولى.

الأمة لا تثور لكي تهدم نفسها: إن القيمة الكبرى للانتفاضات الشعبية، في الرؤية القومية، لا تكمن في قدرتها على الهدم فحسب، بل في قدرتها على إعادة اكتشاف الذات الجماعية للأمة. فالأمة لا تثور لأنها تعشق الفوضى، وإنما تثور لأنها تبحث عن نظام أكثر عدلاً. ولا تحتج لأنها ترفض الدولة، بل لأنها تريد دولة أكثر تعبيراً عن إرادتها. فالثورة الحقيقية ليست ثورة على المجتمع، بل ثورة من أجل المجتمع. وليست خروجاً على التاريخ، بل محاولة لاستعادة مساره الطبيعي بعد أن انحرف تحت ضغط الاستبداد أو التبعية أو التجزئة.

خاتمة: في الذكرى السابعة لانتفاضة ديسمبر، لا يكون السؤال الأهم ماذا حققت وماذا أخفقت، بل ماذا كشفت عن الإنسان السوداني وعن الأمة العربية.

لقد كشفت أن الشعوب قد تُهزم عسكرياً أو تُحاصر اقتصادياً، لكنها لا تموت ما دامت تحتفظ بإرادتها في الحرية. وكشفت أن الجماهير، عندما تتحرك دفاعاً عن كرامتها، تتحول من جمهور يتابع التاريخ إلى قوة تصنعه.

لكن الدرس الأعمق يبقى في أن الأمم لا تنهض لأن الظروف أصبحت مثالية، بل تنهض لأن شعوبها تقرر أن تكون جديرة بمستقبل أفضل، وأن تبني من زخم انتفاضتها مشروعاً وطنياً قادراً على الصمود في وجه التحديات.

وهذا هو جوهر الرسالة التي تتركها انتفاضة ديسمبر للأمة العربية كلها: أن الحرية والكرامة ليستا امتيازاً جغرافياً، بل حقاً إنسانياً عاماً، وأن استعادة الأمة لوعيها التاريخي تبدأ حين تستعيد جماهيرها ثقتها بقدرتها على التغيير، وتنتقل من الانتفاضة إلى البناء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.