مهند بكري
“يا قطار الشوق… متين توصل حبيبنا هناك راجينا”.
لم تكن كلمات الشاعر السوداني علي محجوب مجرد أغنية تتغنى بالحنين.
كانت، بالنسبة لأجيال من السودانيين، مرآةً لذاكرة وطن كامل عاش على إيقاع صفارات القطارات، وانتظر أبناءه على الأرصفة، وربط مصيره بقضبان امتدت آلاف الكيلومترات عبر الصحارى والسهول والوديان.
في السودان، لم يكن القطار مجرد وسيلة نقل. كان مدينةً متحركة، ومدرسةً للحياة، وجسراً اجتماعياً، ومنصةً سياسية، ورفيقاً للأحلام، قبل أن يصبح في لحظة تاريخية… أحد أشهر رموز الثورة. فمن عطبرة خرج القطار… ومنه خرجت الثورة.
في أبريل 2019، بينما كانت ساحات الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم تمتلئ بالآلاف المطالبين بإسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، ظهر مشهد سيبقى من أكثر صور الثورة السودانية خلوداً. قطار قادم من مدينة عطبرة. لم تكن معالم القطار تكاد تُرى من كثافة الثوار الذين اعتلوا سطحه وجوانبه وعرباته، حتى بدا وكأنه كتلة بشرية تتحرك فوق قضبان من الحديد. التقطت وكالات الأنباء العالمية الصورة، وانتشرت في كل مكان، لتصبح واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن ثورة ديسمبر.
ذلك القطار لم ينقل ركاباً. بل نقل الأمل. ووصل إلى الخرطوم حاملاً مدينةً كاملة جاءت لتقول إن الثورة ليست حكراً على العاصمة، وإن السودان كله يتحرك على القضبان نفسها. وبعد أشهر، وفي مليونية 30 ديسمبر 2019، حاولت عناصر موالية لنظام الإخوان تعطيل رحلة قطار آخر قادم من عطبرة عبر تخريب أجزاء من السكة الحديد. وفي رحلة لا تستغرق عادةً أقل من خمس ساعات امتدت لأكثر من عشرين ساعة. كان الثوار ينزلون من العربات، ويسيرون عشرات الكيلومترات أمام القطار، يزيلون المتاريس ويساعدون عمال السكة الحديد على إصلاح القضبان حتى يواصل القطار رحلته. لم يكن أحد يريد العودة. كان الجميع يريد الوصول إلى الخرطوم.
وفي سكة صنعت السودان، قبل أكثر من قرن، لم يكن الهدف من إنشاء السكك الحديدية بناء دولة حديثة. كانت البداية مشروعاً عسكرياً. فكر محمد علي باشا في مد خطوط حديدية إلى السودان، ثم استكمل المشروع في عهد الخديوي إسماعيل، قبل أن يعيد البريطانيون إحياءه بعد احتلال السودان لتسهيل تحركات قواتهم وإمداداتهم العسكرية.
لكن ما بدأ لأهداف استعمارية، تحول لاحقاً إلى أحد أهم مشاريع بناء الدولة السودانية. امتدت القضبان من وادي حلفا شمالاً إلى الخرطوم، ومنها إلى الجزيرة وكردفان ودارفور وسنار وواو، حتى بلغ طول الشبكة نحو 4757 كيلومتراً، لتصبح ثالث أقدم شبكة سكك حديدية في أفريقيا. كانت تنقل القطن والصمغ العربي والحبوب والماشية. لكنها، في الوقت نفسه، كانت تنقل الناس والثقافات واللهجات والعادات. ولهذا كتب الأديب البريطاني روديارد كبلينغ عبارته الشهيرة: “النقل يساوي الحضارة”. وفي السودان، ربما لم تكن هناك عبارة تصف السكك الحديدية بدقة أكثر من هذه.
في مدينة لا تشبه غيرها، حين انتقلت الإدارة العامة للسكة الحديد إلى عطبرة عام 1906، بدأت المدينة تكتب فصلاً جديداً في تاريخ السودان.
تحولت إلى أكبر مدينة عمالية. وفي أحيائها وورشها ولدت أولى الحركات النقابية الحديثة. وفي أواخر أربعينيات القرن الماضي تأسست نقابة عمال السكة الحديد، لتصبح أول تنظيم نقابي ديمقراطي في السودان، ويفتح الطريق أمام نقابات أخرى لعبت أدواراً محورية في معركة الاستقلال. لم يكن مستغرباً أن يعتبر البريطانيون منصب المشرف على السكة الحديد واحداً من أخطر خمسة مناصب في السودان. فالسيطرة على القطارات كانت تعني السيطرة على شريان البلاد الاقتصادي والسياسي.
عندما أسقطت القطارات الديكتاتوريات لم يكن دور السكة الحديد اقتصادياً فقط. في ثورة أكتوبر 1964 خرجت قطارات من بورتسودان وعطبرة تحمل العمال والمتظاهرين دعماً للحراك الشعبي الذي أسقط نظام الفريق إبراهيم عبود. وبعد نصف قرن تقريباً، أعادت القطارات المشهد نفسه. في ديسمبر 2018 انطلقت شرارة الثورة من عطبرة. وفي أبريل 2019 عاد القطار نفسه تقريباً، لكن هذه المرة محملاً بالثوار الذين كانوا يهتفون: “حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب، وسلمية سلمية عسكر حرامية، والشعب أقوى أقوى والردة مستحيلة”. وبين الثورتين، بقيت السكة الحديد عنواناً للنقابات، وللحراك الشعبي، وللمقاومة المدنية.
فكيف انتهت الإمبراطورية؟ بلغت السكك الحديدية ذروة ازدهارها حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكانت الوسيلة الأرخص والأكثر انتشاراً لنقل الركاب والبضائع. لكن انقلاب جعفر نميري غير المعادلة. أُلغي استقلال الهيئة، وخضعت مباشرة لوزارة النقل، وتراجع نفوذها النقابي. ثم جاءت سنوات حكم الإنقاذ البائد بقيادة عمر البشير لتوجه الضربة الأقسى. جرى تسريح نحو أربعة آلاف عامل، وجُمدت التعيينات، وتراجع الاستثمار في البنية التحتية، بينما تمدد النقل البري على حساب القطارات. وزادت العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان عام 1997 الأزمة تعقيداً، إذ أصبحت معظم القاطرات الأمريكية الصنع تعاني نقصاً حاداً في قطع الغيار والصيانة. شيئاً فشيئاً، تحولت الورش التي كانت تضج بالحركة إلى أماكن يكسوها الصدأ. وباتت القطارات التي كانت تصل كل أنحاء البلاد تقف ساكنة تحت الشمس.
رغم التراجع، لم تمت السكة الحديد. فكلما اهتز السودان سياسياً، عادت عطبرة إلى الواجهة. وكلما احتاج السودانيون إلى رمز يوحدهم، عاد القطار. ربما لهذا السبب لم تكن صورة قطار الثورة مجرد لقطة صحفية. كانت تلخيصاً لتاريخ كامل. تاريخ بدأ بقضبان وضعها المستعمر لتثبيت سلطته. وانتهى بقضبان حملت شعباً خرج ليطالب بحريته. ولعل أعظم مفارقات التاريخ أن المشروع الذي أنشئ يوماً لخدمة الإمبراطورية، أصبح بعد أكثر من مئة عام أحد أهم رموز مقاومة السلطة. وفي السودان، لا تزال صفارة القطار، حتى وإن خفت صوتها، قادرة على إيقاظ ذاكرة وطن بأكمله… وطن تعلم أن الحديد قد يصدأ، لكن الرموز لا تموت.
#السودان #عطبرة #قطار_السودان #ثورة_ديسمبر #تاريخ_السودان #السكة_الحديد #النقابات_السودانية #مقاومة_مدنية #الذاكرة_الوطنية #حرية_سلام_عدالة #الحديد_والنار #أيقونات_الثورة

Leave a Reply