خالد ضياء الدين
لو في زول طلب منك تستغرب، ما تستغرب من طلبه. ولو ما قدرت تستغرب، حاول تحدد موضوعاً معيناً واعمل عنه بحثاً في أخبار السودان، وبدون ما تشعر تلقى نفسك استغربت.
ابحث مثلًا عن المخدرات في السودان. من أول نتيجة بحث تقريباً ستجد أخباراً عن حاويات مضبوطة، وأطنان من المخدرات، وملايين الحبوب المهلوسة. لكن السؤال الذي يتكرر أكثر من أي خبر آخر هو: لماذا نسمع دائماً عن الشحنات، ولا نسمع كثيراً عن أصحابها أو الشبكات التي تقف وراءها؟
في يوم 21 مايو 2014، حاصر النواب وزير داخلية (الإنقاذ) بالأسئلة حول دخول حاويات مخدرات عبر ميناء بورتسودان.
وفي يوم 31 أكتوبر 2015، نشرت «سودانيز تريبيون» تقريراً عن ضبط حاويات مخدرات وأشارت إلى أكثر من 13 مليون حبة مخدرة. أيضاً في 8 ديسمبر 2015، أشار موقع «سودان سفاري» إلى إحباط محاولة تهريب مخدرات مُخلّقة عبر مطار الخرطوم.
وقبل ثلاثة أعوام، نشرت قناة الخرطوم الدولية خبراً عن إحباط تهريب (7 أطنان) من المخدرات عبر مطار الخرطوم.. “عينهم قوية ويدهم لاحقة”.
وفي مرة من ذات المرائر، كشفت شبكة الهدايا الإسلامية عن ضبط السلطات حاوية بطول 20 قدماً في ميناء بورتسودان محملة بالحشيش والكوكايين والحبوب المخدرة.
وفي نفس ذات المرائر، تحدثت «الحدث السوداني» عن إبادة أطنان من المخدرات واكتشاف مصنع للكبتاغون في الخرطوم.
يوم 5 يونيو 2016، كشف ضابط بالجمارك عن ضبط كوكايين تُقدّر قيمته بنحو 100 مليون دولار في مطار الخرطوم.
وفي 14 يونيو 2026، أعلنت السلطات إحباط تهريب ربع مليون حبة مخدرة كانت في طريقها إلى مدينة عطبرة. وقبل أيام، تابعنا إحباط السلطات الأمنية بولاية الجزيرة تهريب نصف مليون حبة مخدرة.
كما أعلنت إدارة مكافحة المخدرات قبل 3 أيام عن توقيف عربتي «تندرا» محملتين بنصف مليون حبة مخدرة، إلى جانب كراتين سجائر وأدوية مهربة.
هذه بكل تأكيد أخبار متفرقة وليست حصرية، بل مجرد أمثلة يمكن العثور على عشرات غيرها بسهولة.
وما يجمع بينها جميعاً أنها تتحدث عن الضبطيات والأرقام والكميات، بينما تظل المعلومات المتعلقة بالشبكات الكبرى والمسارات التي تتحرك عبرها تلك الشحنات أقل حضوراً في المجال العام.
لكن كل ما سبق قد يبدو عادياً مقارنة بالخبر التالي:
في 25 يونيو 2022 تناولت صحيفة «الانتباهة» وعدد من المواقع والصحف خبر إحباط محاولة تهريب كمية ضخمة من المخدرات، قيل إنها قادمة من إسرائيل، وهذا أمر متوقع، غير المتوقع، تداولت تقارير آنذاك حديثاً عن مطالبة حركة مسلحة، عبر خطاب رسمي، بتسليمها شحنة المخدرات، وقديماً قيل القال حقي غلب!
إذا لم يكن هذا الخبر كافياً لإثارة الدهشة، فهناك ما هو أكثر غرابة. قبل نحو ثلاثة أعوام، نشرت «دارفور 24» وعدد من الصحف والمواقع خبر انعقاد مؤتمر لتجار ومروجي ومنتجي البنقو في دارفور، بحضور رئيس اتحاد مروجي البنقو ورئيس فرعية شرق دارفور، وضم المؤتمر أكثر من مائة من كبار المنتجين.
إذا تجاوزنا غرابة الخبر نفسه، فالسؤال الذي يفرض نفسه: كيف وصل نشاط محظور قانوناً إلى مرحلة المؤتمرات والاتحادات والرؤساء والفروع؟
المشكلة ليست في وجود المخدرات وحدها، فهذه آفة تعاني منها دول كثيرة، لكن الغريب أن أخبار الضبطيات الضخمة وغير المسبوقة عالمياً تتكرر لعقد كامل تقريباً، بينما يظل الحديث عن الشبكات المنظمة، ومصادر التمويل، والرؤوس الكبيرة، والأحكام النهائية على المتورطين، أقل ظهوراً بكثير من أخبار الشحنات المضبوطة.
لذلك يتحول كل خبر جديد عن ضبطية ضخمة إلى سؤال جديد، أكثر مما يتحول إلى إجابة.
وكل ده إذا ما طلع الاستغراب من عيونك، تبقى إنت نائب رئيس اتحاد منتجي الكبتاغون في أم صفقاً رهاف!
#السودان #المخدرات #فساد #أخبار_السودان #جرائم_منظمة #آراء_حرة #تحقيقات #الأمن_القومي #مجتمع_سوداني #قضايا_معاصرة #محاربة_الفساد #استقصاء #استهداف_الشباب

Leave a Reply