ما بعد موسم الجنجويد..

صحيفة الهدف

عبد الله قاسم دامي
كاتب من الصومال

صمتٌ رهيب..
أصبح رجال القرية مذعورين من سماع الخبر الصادم الذي فاجأهم به )ود حليمة(، الشاب الثرثار الملقب بـ”صاحب الشمارات”، الذي يعرف كل أسرار القرية وحكاياتها المندسة وماضيها الأليم.
– عليك الله يا ود حليمة، إبليس ذاته ما حيصدق الكلام دا!
هكذا صاح عمدة القرية غاضبًا، قبل أن يغادر المجلس مهزوز الرأس، ململمًا سبحته ومهمهِمًا بكلام غير مفهوم، كان اللعاب يتطاير من فمه تحسبه بركانًا على وشك الانفجار.
تفرّق رجال القرية، منهم من ذهب إلى بستانه حيث يزرعون القرع والبامية هذا العام بعد تكدّس البصل العام المنصرم واحتكاره من قبل حاج عوض الملقب بـ”التاجر الحقّار”، انصرف آخرون نحو النيل لعلهم يفرغون بعضًا من غضبهم، بينما جفّل بعضهم حميرهم ومضوا بعيدًا، شرقًا حيث الزلط.
كان الجميع مصدومين، لم تصدق عقولهم ما حدث وما سُمع. لقد كان خبرًا شنيعًا، عارًا على قيمهم النبيلة، كانوا رجالًا مثل النخيل ذوي جذور، وأصول، وخُلق، وشهامة.
ذاع الخبر وعمّ القرى المجاورة وبلَّغه سائقو السفريات إلى المدن والحضر، تعاطى به الرجال السجائر والتمباك، ونوقشت سردياته في قعدات الجبنة وونسات الشاي. اختلف المزارعون، أصحاب العراريق الملطخة بالطين والطواقي البيضاء، في رواياته، منهم من قال إن ود حليمة نفسه كان ينوي الزواج من تلك المرأة فأذاع الخبر حقدًا وحسدًا ومنهم من تنبأ بعقاب إلهي وبجفاف سيحل قريبًا.
في مساء ذلك اليوم، زغردت امرأة ذات لسان حادٍ وصوت مسموع “ووووي!”، شوهد فريقان من الأطفال يلعبون بأخشاب على هيئة بنادق فريق يمثل الجنجويد وآخر الجيش، سُمع خوار بقرة ونباح كلب، لا نهيق حمار ولا دقدقة بابور، فقد جفّل الرجال الحمير وأغلقوا البوابير قبل أن يغادروا القرية.
سفينة تبحر في النيل صوب الشمال حيث مصر، رياح عاتية وهدوء مخيف، لا رجال في القرية لا شيوخ، لا قهقهات لا شوارب تُمسح، لم يظهر عمدة القرية ولم يُعرف له أثر منذ مغادرته مجلس الرجال، كذلك ود حليمة لم يعد لافًّا بين رواكيب القرية، لعلّه انتقل غربًا نحو الضفة الأخرى من النيل ليذيع الخبر مستعينًا بخبرته في الذواعة.
انتشر الخبر مثل مرض معدٍ، مثل طاعون فتّاك، مثل جائحة كورونا، خبرٌ لم يُسمع بمثله منذ خريف “العذرية” إذْ قام فوجٌ من حجافل الجنجويد باغتصاب معظم نساء القرية، ونهبوا المحاصيل الزراعية، والأبقار، والخراف، والحمير، والبوابير، ومجوهرات النساء، وأضرموا النار في رواكيب القرية المتواضعة، وأحرقوا مدرستها الابتدائية الوحيدة ومسجدها الصغير الذي بناه حاج مختوم من القش الممزوج بفضلات الأبقار، قيل إنهم حاولوا طمس ملامح القرية إلا أن النخيل تحدّاهم فتوجهوا جنوبًا بحثًا عن النهب والشفشفة. لقد كانوا لطفاء فلم يأخذوا معهم النيل.
في ذلك الخريف المسمى بـ”خريف العذرية” اغتُصبت النساء المتزوجات وفقدت العذراوات بكارتهن، انتحرت بعضهن بإلقاء أنفسهن في النيل هربًا من الاغتصاب والنيران. عزل بعدها رجال القرية أنفسهم عن النساء واستكانوا إلى العزوبية، طلّق البعض زوجاتهم بالثلاث، وقيل إن مهر العروس بلغ خمسين رأسًا من البقر إن وُجدت عذراء!
هرول ود حليمة، ذلك الصباح، إلى مجلس رجال القرية، معلنًا أن عبّود ود فضل الله تقدّم إلى جاره حسب الرسول وطلب يد ابنته فاطنة التي ثبت اغتصابها في خريف العذرية على يد الجنجويد.
صاح ود حليمة في مجلس الرجال، في صباح غائم “ووب عليّ، ووب عليّ.. ود فضل الله عَرّس المُغتَصَبة”..!

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.