زهير عثمان حمد
في روايتها (أنيميا الحب) لا تكتفي الروائية ليلى صلاح بتقديم قصّة حب تتعثّر تحت وطأة الظروف، بل تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تجعل من الحب نفسه استعارة كبرى لحالة الاستنزاف التي أصابت الإنسان السوداني في سنوات التحوّلات العاصفة. فالعنوان لا يحيل إلى عاطفة مريضة فحسب، وإنما إلى حالة من الفقر الوجداني والإنهاك النفسي الذي أصاب الأفراد والوطن معًا. وهكذا تتداخل “أنيميا الحب” مع “أنيميا الوطن”، ليصبح النزيف الداخلي للشخصيات انعكاسًا لنزيف أكبر يطال المجتمع والتاريخ والذاكرة.
منذ الصفحات الأولى، تضع الكاتبة قارئها أمام عالم تتشابك فيه الذوات الفردية مع المصير الجمعي. فلا يعود الحب شأنًا شخصيًا معزولًا، كما لا تعود الثورة مجرد حدث سياسي خارجي. إنهما وجهان لتجربة إنسانية واحدة تتشكل داخلها الشخصيات وهي تحاول النجاة من الخسارة والفقد والانكسار.
جدلية الخاص والعام – حين يصبح الجسد خريطة للوطن
من أبرز نجاحات الرواية قدرتها على محو الحدود بين التجربة الشخصية والتجربة الوطنية. فالشخصيات لا تعيش الثورة من خلال الشعارات أو البيانات السياسية، بل من خلال أثرها المباشر على الذاكرة والعلاقات والأحلام.
تتحرّك ليلى، وحسن، ونورا، ورانيا في فضاء روائي يبدو فيه الوطن حاضرًا داخل تفاصيل الحياة اليومية. فالقمع لا يظهر فقط في الشارع، بل يتسلّل إلى المشاعر، والخوف لا يسكن الميادين وحدها، بل يستقر داخل النفوس. وهنا تكمن قوة الرواية؛ إذ تنجح في تحويل الحدث السياسي إلى تجربة وجودية تمس الإنسان في أعماقه.
غير أن هذا الاندماج بين الخاص والعام يأتي أحيانًا على حساب التوازن السردي، إذ تميل بعض المقاطع إلى الإغراق في التأمّل النفسي على حساب تطوّر الحدث الروائي، مما يجعل السرد يتباطأ في مواضع معينة ويقترب من الكتابة التأملية أكثر من اقترابه من البناء الروائي التقليدي.
ليلى.. الفن بوصفه مقاومة
تعد شخصية ليلى المحور الأساسي للرواية، وهي ليست مجرد بطلة للأحداث بقدر ما هي حاملة لرؤية النص الفكرية والجمالية. فالفن بالنسبة لها ليس نشاطًا جماليًا فحسب، بل وسيلة لفهم العالم ومقاومة الخراب.
في علاقتها بالنحت تحديدًا، تبرز فكرة إعادة تشكيل الذات عبر إعادة تشكيل المادة. فكل ضربة إزميل على الحجر تبدو محاولة لترميم شيء مكسور في الداخل. وبهذا المعنى يتحوّل الفن إلى شكل من أشكال المقاومة الصامتة، وإلى بديل رمزي عن العجز الذي يفرضه الواقع.
لكن الكاتبة تجعل من ليلى أحيانًا شخصية مثقلة بالرمزية إلى درجة تتراجع معها بعض ملامحها الواقعية، فتبدو في مواضع أقرب إلى فكرة أو رمز ثقافي منها إلى شخصية من لحم ودم، وهو ما قد يحد من قدرة بعض القراء على الارتباط بها إنسانيًا.
حسن وكسر الصورة التقليدية للرجولة
من أكثر عناصر الرواية تميزًا شخصية حسن، الذي يبتعد عن صورة الرجل التقليدي الصلب التي هيمنت طويلًا على السرد العربي. فهو شخصية حساسة، متأمّلة، منشغلة بالأسئلة الوجودية بقدر انشغاله بالواقع.
تنجح ليلى صلاح في تقديم نموذج مختلف للذكورة؛ ذكورة لا تقوم على الهيمنة أو القوة المجرّدة، بل على القدرة على التعاطف والانكسار والاعتراف بالضعف، وهي معالجة مهمة تعكس تحوّلات اجتماعية وثقافية أوسع.
ومع ذلك، كان يمكن للشخصية أن تكتسب مزيدًا من العمق لو أُعطيت مساحة أكبر للصراع الداخلي والتناقضات، بدلًا من انحصارها أحيانًا في دورها الرمزي داخل النص.
الفن كآخر القوارب
تطرح الرواية سؤالًا جوهريًا: ماذا يفعل الإنسان حين تنهار المؤسسات الكبرى التي تمنحه المعنى؟ وحين يصبح الواقع أكثر قسوة من أن يُحتمل؟
الإجابة التي تقترحها الكاتبة ليست سياسية ولا أيديولوجية، بل جمالية في جوهرها؛ إذ يصبح الفن محاولة لإعادة بناء العالم، أو على الأقل إعادة بناء الذات داخل عالم يتداعى.
ذاكرة النيل والرموز السردية
تعتمد الرواية على شبكة رمزية كثيفة، يتصدّرها النيل الذي يتحوّل من عنصر جغرافي إلى مستودع للذاكرة الجمعية، شاهد على الحب والفقد معًا. كما تمثل الكاميرا محاولة للإمساك بالحقيقة قبل ضياعها، فيما تتجلى الشجرة رمزًا للاستمرار والصمود.
وتنجح الكاتبة في توظيف هذه الرموز دون إفراط مباشر، وإن كانت بعض الدلالات تميل أحيانًا إلى الوضوح الزائد، مما يقلّل من مساحة التأويل الحر.
اللغة.. جماليات الشعر ومخاطر الإفراط
تمثّل اللغة أحد أبرز عناصر قوة الرواية؛ إذ تمتلك ليلى صلاح حسًا شعريًا واضحًا يظهر في كثافة الصور والاستعارات والتقاط التفاصيل النفسية الدقيقة. غير أن هذه الغنائية تطرح تحديًا فنيًا، إذ تتقدّم اللغة أحيانًا على الحدث، فتغدو الجملة الشعرية غاية بحد ذاتها، وهو ما قد يبطئ إيقاع السرد لدى بعض القراء، رغم انسجامه مع طبيعة العمل الذي يراهن على الحالة الشعورية أكثر من التشويق.
بين الرواية النفسية والرواية السياسية
لا تقدّم (أنيميا الحب) نفسها كرواية سياسية مباشرة رغم خلفيتها الثورية، بل تركّز على أثر التحوّلات في النفوس والعلاقات الإنسانية، ما يضعها ضمن تيار سردي سوداني معاصر يقرأ الوطن عبر مصائر الأفراد لا عبر خطاب السياسة.
لقد نجحت ليلى صلاح في تحويل الألم الشخصي والجمعي إلى مادة أدبية كثيفة، وكتابة رواية عن الحب والفقد والذاكرة والنجاة في آن واحد، رغم بعض الملاحظات المتعلّقة بالإيقاع وتغليب الشعرية على الحركة السردية في مواضع محدّدة.
وفي المحصلة، تمثّل (أنيميا الحب) إضافة لافتة إلى الرواية السودانية المعاصرة، ونصًا يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات، وهو ما يمنحه قيمته الأدبية والإنسانية.

Leave a Reply