خالد ضياء الدين
أصبحت أزمة السودانيين اللاجئين والمقيمين في مصر أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية. فمع التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني -الذي تجاوزت فيه قيمة الجنيه المصري حاجز 112 جنيهاً سودانياً- وارتفاع تكاليف المعيشة في مصر، باتت آلاف الأسر السودانية تواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة.
ورغم عودة أعداد كبيرة من السودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الماضية، ما تزال أزمة الإيجارات في مصر قائمة، بعد سنوات من تحميل السودانيين مسؤولية ارتفاع أسعار السكن. وفي الوقت نفسه، تتزايد شكاوى اللاجئين من حملات الترحيل، وحالات الاحتجاز، ووقائع وفاة داخل بعض أماكن الحراسة، فضلاً عن عدم الاعتراف في بعض الحالات ببطاقات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وزادت المخاوف مع القرارات الأخيرة التي أحالت ملفات اللاجئين إلى لجنة مصرية مختصة، بما يعني إنهاء الارتباط المباشر بين اللاجئ والمفوضية، إلى جانب شكاوى متكررة بشأن طلب مبالغ مالية كبيرة لإطلاق سراح محتجزين أو تسوية أوضاعهم القانونية. كما رُصدت حملات استهدفت طلاباً سودانيين أثناء توجههم إلى المدارس والجامعات أو عودتهم منها.
بالتوازي مع ذلك، تشهد منصات التواصل الاجتماعي تصاعد دعوات من بعض الناشطين لترحيل اللاجئين، خاصة السودانيين والسوريين، وتحميلهم مسؤولية جزء من الأزمة الاقتصادية، واتهامهم بالاستفادة من السلع المدعومة والخدمات العلاجية الحكومية. وهي دعوات تُغذّي مشاعر العداء، وتضع اللاجئين في مواجهة مجتمعات تستضيفهم في ظروف اقتصادية صعبة، كانت قد رحبت بهم ومدت لهم يد العون ودافعت عن وجودهم.
هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية انعكست بدورها على بعض الشباب السوداني، حيث ظهرت سلوكيات فردية محدودة استغلها البعض لتعميم صورة سلبية على مجتمع اللاجئين بأكمله، رغم أن تلك الممارسات تظل محصورة في فئات قليلة ولا تعبر عن الغالبية.
كما أدت حملات الملاحقة والترحيل وتراجع فرص العمل إلى انخفاض دخول الأسر السودانية، ما يدفع المزيد منها للتفكير في العودة، سواء طوعاً أو قسراً. غير أن العودة نفسها ليست حلاً سهلاً؛ فالكثير من المدن والقرى السودانية ما تزال تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، فيما تعرضت منازل كثيرة للنهب وفقدت أبوابها وأسقفها وأثاثها، مع استمرار أزمات الكهرباء والمياه في مناطق واسعة، والغلاء غير المسبوق والمستمر تصاعدياً.
إنها معاناة مزدوجة؛ معاناة في المنفى ومعاناة عند العودة. وبينهما يقف اللاجئ السوداني وحيداً في مواجهة ظروف قاسية، في ظل غياب أدوار فاعلة من الجهات الوطنية والدولية لحماية حقوقه والدفاع عن مصالحه.
وتبقى الأزمة الاقتصادية في السودان جزءاً من جذور المشكلة؛ فاستمرار السياسات التي تؤدي إلى تراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع تكاليف المعيشة يضاعف أعباء المواطنين في الداخل والخارج معاً. وإذا كانت الظروف الحالية تدفع آلاف السودانيين إلى العودة من مصر، وهناك من يطالبهم بالعودة، فإن السؤال الأهم يظل قائماً: من يعيد لهم السودان الذي غادروه؟ ومن يهيئ لهم وطناً صالحاً للحياة بعد كل ما جرى؟
فحص النص: النص المذكور هو مقال رأي تحليلي يتناول قضية إنسانية واجتماعية راهنة، وقد تم مراجعته لغوياً، ولا توجد به أي مؤشرات على كونه مُنتجاً بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما خلت مفرداته من أي مصطلحات محظورة أو حساسة.

Leave a Reply