المحرر الاقتصادي
في محاولة للحد من تدهور قيمة الجنيه السوداني وتقليص الطلب على العملات الأجنبية، أصدرت حكومة بورتسودان عبر وزارة ماليتها قراراً بحظر استيراد 46 سلعة قالت إنها غير أساسية أو يمكن توفير بدائل محلية لها. وضمت القائمة سلعاً متنوعة شملت الأرز ومنتجات الألبان الجاهزة والبسكويت والحلويات والعطور ومستحضرات التجميل، إلى جانب الأسمنت والزنك والأثاث والملبوسات الجاهزة والصابون والمنظفات وغيرها.
الهدف المعلن للقرار كان تقليل فاتورة الواردات والحفاظ على النقد الأجنبي في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد مرور أسابيع على القرار: هل نجح بالفعل في كبح جماح تدهور الجنيه السوداني؟
الأرقام المتاحة لا تشير إلى تحسن ملموس في سعر الصرف يمكن ربطه مباشرة بقرار الحظر. فالجنيه ما يزال يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة عوامل أعمق من استيراد السلع الاستهلاكية، أبرزها الحرب وتراجع الإنتاج والصادرات وارتفاع الطلب الحكومي على العملات الأجنبية لمواجهة احتياجات الحرب (سلاح/وقود….. الخ)
وتكشف بيانات الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية جانباً مهماً من المشكلة. فالغرفة أعلنت أن فاتورة استيراد الوقود بلغت 697 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل 370 مليون دولار فقط حصيلة صادرات الذهب الرسمية، ما نتج عنه عجز تمويلي قدره 326 مليون دولار. كما أشارت إلى أن معظم إنتاج الذهب السوداني لا يدخل القنوات الرسمية، ما يحرم الاقتصاد من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تدعم احتياطيات النقد الأجنبي.
ومن هنا يبرز تساؤل آخر: هل كل السلع المحظورة تعتبر بالفعل سلعاً كمالية؟
قد يتفق كثيرون على أن العطور والباروكات وبعض أنواع الحلويات والشوكولاتة ليست من الأولويات في الظروف الحالية. لكن من الصعب تصنيف سلع مثل الأسمنت والزنك والأثاث والملبوسات الجاهزة ومنتجات الألبان والصابون والمنظفات باعتبارها كماليات خالصة، خاصة في بلد يواجه تحديات إعادة الإعمار ونقصاً في الإنتاج المحلي بسبب توقف كثير من المصانع وتأثر البنية التحتية.
كما أن نجاح أي قرار بمنع الاستيراد يعتمد على وجود بديل محلي كافٍ. وحتى الآن لا توجد مؤشرات على وجود وفرة كبيرة تغطي كامل احتياجات السوق من الأسمنت والزنك والملبوسات الجاهزة ومنتجات الألبان والأثاث. بل إن بعض هذه القطاعات تأثرت أصلاً بالحرب ومشكلات النقل والطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج.
اقتصادياً، تبدو فكرة ترشيد الواردات منطقية في ظل شح النقد الأجنبي، وهي سياسة تلجأ إليها دول كثيرة في أوقات الأزمات. لكن فعاليتها تبقى محدودة إذا لم تترافق مع إجراءات أكثر تأثيراً، مثل زيادة الصادرات، ومحاربة تهريب الذهب، وتشجيع تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، وتحفيز الإنتاج المحلي.
بعبارة أبسط، فإن منع استيراد البسكويت أو الأثاث أو الصابون قد يوفر بعض الدولارات، لكنه لن يحل أزمة الجنيه إذا ظلت مئات الملايين من الدولارات تخرج لاستيراد الوقود، وإذا استمرت مليارات الدولارات من عائدات الذهب خارج النظام المصرفي.
لذلك يمكن القول إن القرار قد يكون مفهوماً كإجراء إسعافي قصير الأجل، لكنه لا يمثل حلاً جذرياً للأزمة. فاستقرار الجنيه لن يتحقق بمنع الواردات وحده، وإنما بزيادة ما يدخل البلاد من عملات أجنبية عبر الإنتاج والصادرات واستعادة الموارد المفقودة إلى القنوات الرسمية.

Leave a Reply