خالد ضياء الدين
“قصفوني ليه؟ ضربوني ليه؟ أنا ما جنيت”
نشيد “خواطر فيل” جسّد حال الدهابة المنقبين في شمال السودان.
طيران ومسيّرات ومشاة يستهدفونهم داخل الحدود السودانية، مرة واثنتين وثلاثاً، ثم غارات ومسيّرات تخلف قتلى ومصابين، ولا من ينتخي، ولا أحد يرف له جفن. ما أهونك يا شعبي.
قيل إن القط القادم من شمال الوادي محرش، بينما يقول المثل العامي: “المحرش ما بقاتل”.
وفي لحظة حوار تحت ظل القصف، ابتدأت الفرقة توقع اللحن مع الكلمات:
يا فار يا منقب يا حفّار
الدهب الما بكفي البيت يحرم على الجار
والجار يصرخ ويتوعد ويغير الكلمات ويردد بأعلى صوت:
يا فار، يا فار، يا صغير، يا حفّار.
ليظهر خافتاً صوت المنقبين الفئران:
يعني أفوت أنقب وين؟
حياتي هنا ليها سنين
يا أصحاب خليكم ناس فاهمين
حفرت شنو؟ يا دوب جحرين
حفرت… حفرت…
ثم تأتي مسيّرة تجوب الأجواء، فترتعد أوصال المنقبين، فيتبارون هاربين، يلوذون بالجبال والحفر العميقة. وهنا يبتسم القط ويمسح مكان شاربه المحلوق، ثم يمضي بعيداً وهو يدندن:
ناو… ناو… يا فار
والفئران الحرافيش تنتظر ظهور عاشور الناجي ، والناجي قرر الهجرة خارج الوطن بعد ان ضاقت به الحارة، فأزمنة الخوف لا ترحم الضعفاء، ومن لا يقف في وجه الخطر يبتلعه الصمت. لكن الناجي لم يأتِ.. اغدا يعود؟ واستمرت المسيّرات في التجوال فوق الرؤوس، واستمر المنقبون في الحفر بين الصخور، يطاردون رزقهم كما يطاردهم الموت.
أما الفيل الصغير المحبوس في الزمن العبوس داخل قفصه، فما زال يروح ويجيء مردداً شكواه القديمة:
قصفوني ليه؟ ليه ضربوني ليه؟ أنا ما جنيت
قبضوني ليه؟ قتلوني ليه؟ عاوزني أعمل إيه هنا؟
انا ما عملت هناك شيئاً به انسحق هذا العناء
ما عرفت قط في دنيتي غير اللعب والشيطنة
فارقت أمي… أمي، ثم يبكي وحيدا في الصحراء.
ظل الفأر يحفر في الصخر بحثاً عن رزقه، وظل القط يطارده من السماء. وبين الحفر والقصف، وبين المعول والمسيّرة، ضاع السؤال الذي لم يجب عليه أحد:
لزومه شنو الضرب بالطيران؟!
لزومه ايه ياباشا، دا الدهب دهبنا ودول اولادنا وديت أرضنا.. ولا ايه؟ بصوت الدادة دودي.

Leave a Reply