طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
إذا قرأنا البيانات الصادرة حول مأساة المعدنين السودانيين قراءةً مقارنة، نجد أن معظم القوى السياسية والحقوقية توقفت عند مستوى الإدانة القانونية والإنسانية للواقعة، وهو موقف مشروع ومطلوب. بعضها ركّز على إدانة الجريمة، وبعضها على تحديد الجهة المتهمة، وبعضها على انتهاك السيادة الوطنية، وبعضها على مسؤولية سلطة الأمر الواقع. لكن تصريح حزب البعث تميز بأنه لم يتعامل مع الحادثة بوصفها واقعة منفصلة أو حادثاً حدودياً عابراً، بل قرأها باعتبارها عرضاً لمرضٍ أعمق يضرب الدولة السودانية نفسها.
غير أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن البيانات الصادرة لم تكن جميعها على مستوى واحد من المقاربة والتحليل. فالحزب الجمهوري والحزب الشيوعي وحزب المؤتمر السوداني اتجهت بياناتها إلى تحميل السلطات المصرية مسؤولية مباشرة أو شبه مباشرة عن الحادثة، وركزت على إدانة ما اعتبرته عدواناً على المواطنين السودانيين والسيادة الوطنية. في المقابل، اختارت أحزاب أخرى، مثل حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي والقوى المدنية الرافضة للحرب، لغة أكثر حذراً، فربطت موقفها بنتائج التحقيقات أو تحدثت عن (الجهة التي يثبت تورطها). أما الجبهة الديمقراطية للمحامين السودانيين فقد تعاملت مع القضية من زاوية قانونية وحقوقية خالصة، مركزة على مبادئ حماية المدنيين، والتحقيق المستقل، والمساءلة القانونية. لذلك فإن المقارنة لا تتعلق بدرجة الإدانة أو حجم الغضب، بل بطبيعة السؤال الذي طرحه كل بيان ومستوى الرؤية التي انطلق منها.
وتكمن الميزة الفكرية الأبرز في تصريح حزب البعث في أنه لم يتوقف عند البحث عن الفاعل المباشر للجريمة، بل انتقل إلى مساءلة الشروط التاريخية والسياسية التي جعلت وقوعها ممكناً أصلاً. فمعظم البيانات انطلقت من سؤال مشروع ومباشر: من ارتكب الجريمة؟ بينما طرح تصريح حزب البعث سؤالاً أكثر عمقاً: كيف وصلت البلاد إلى مرحلة يصبح فيها المواطن السوداني مستباحاً داخل أرضه؟ وكيف أصبحت الحدود والثروات الوطنية وحقوق المواطنين عرضة للانتهاك في ظل الحرب وتآكل مؤسسات الدولة؟ ومن هنا لم يتعامل البيان مع المأساة باعتبارها حادثة منفصلة تستوجب معرفة الجاني فحسب، بل باعتبارها عرضاً لأزمة أعمق تضرب الدولة الوطنية نفسها. وفي هذا الانتقال من البحث عن الجاني إلى البحث في بنية الأزمة يكمن الفارق بين القراءة القانونية للحادثة والقراءة السياسية الاستراتيجية لها؛ فمعرفة الفاعل قد تكشف مسؤولية جريمة واحدة، أما فهم الظروف التي سمحت بوقوعها فهو الطريق إلى منع تكرارها واستعادة قدرة الدولة على حماية المواطن والأرض والثروة.
والأكثر عمقاً أن البيان حافظ على توازن نادر بين العدالة والعقلانية، فلم يسقط في التعميم ضد الشعب المصري، ولم يمنح أي جهة حصانة مسبقة، ولم يحوّل المأساة إلى مادة للتحريض القومي أو الكراهية الوطنية، بل تمسك بمبدأ أخلاقي وسياسي واضح: إدانة الجريمة أياً كان مرتكبها، والمطالبة بالحقيقة كاملة، والدفاع عن الدم السوداني دون الانزلاق إلى خطاب الثأر أو التعميم.
ومن زاوية الفكر القومي العربي، قدم البيان نموذجاً نادراً في التعامل مع الأزمات العابرة للحدود. فهو لم يقع في فخ الشعبوية التي تخلط بين الأنظمة والشعب، ولم يقع في المقابل في فخ الصمت باسم الحفاظ على العلاقات الأخوية. لقد جمع بين الدفاع الصارم عن الدم السوداني وبين احترام الروابط التاريخية بين الشعبين السوداني والمصري. وهذه معادلة ليست سهلة، لأن الخطاب السياسي في لحظات الغضب يميل عادة إلى أحد طرفين: إما التبرير وإما التحريض. أما البيان فقد اختار طريقاً ثالثاً يقوم على الحقيقة والعدالة والمسؤولية، وهو ما يجعله أقرب إلى الموقف القومي الرشيد منه إلى ردود الأفعال الانفعالية.
كما أن البيان قدم نموذجاً سياسياً وقومياً بالغ الأهمية في إدارة الأزمات الوطنية ذات الامتدادات الإقليمية. فبينما دفعت أجواء الغضب بعض الخطابات نحو التعميم أو الانزلاق إلى خطاب عدائي تجاه مصر وشعبها، تمسك تصريح حزب البعث بمعادلة دقيقة وصعبة في آن واحد؛ إذ دافع عن الدم السوداني والحق الوطني والسيادة السودانية بأقصى درجات الوضوح، دون أن يسقط في استهداف الشعب المصري أو التحريض ضده. وهنا تظهر الرؤية القومية العربية للبعث بوصفها رؤية تميز بين الشعب والأنظمة، وبين العلاقات الأخوية بين الأمة العربية وبين الخلافات السياسية أو الانتهاكات التي قد ترتكبها الحكومات أو الأجهزة. ولذلك استطاع البيان أن يجمع بين الوطنية الصلبة والقومية الواعية، فرفض التفريط في حق السودانيين، ورفض في الوقت نفسه تحويل المأساة إلى منصة لإثارة العداء بين شعبين عربيين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.
وفي هذا المعنى، فإن تصريح حزب البعث لم يكن مجرد بيان احتجاج، بل كان بياناً سيادياً بامتياز، لأنه أعاد تعريف السيادة لا باعتبارها شعاراً يُرفع في المنابر، وإنما باعتبارها قدرة الدولة على حماية مواطنيها وثرواتها وحدودها. ولهذا جاءت عبارته المركزية الأكثر دلالة عندما ربط بين هذه الفاجعة وبين عبثية الحرب الجارية، ليؤكد أن المعركة الحقيقية ليست فقط لمعرفة من قصف المعدنين، بل لمنع تكرار واقعٍ أصبح فيه السوداني مهدداً في رزقه وأمنه وحياته داخل وطنه نفسه.
ولعل أحد الفوارق الفكرية الدقيقة التي تستحق التوقف عندها أن معظم البيانات الأخرى تعاملت مع السيادة الوطنية بوصفها حدوداً جرى انتهاكها أو اعتداءً خارجياً وقع على أراضي الدولة، وهي مقاربة صحيحة في بعدها القانوني والسياسي. غير أن بيان البعث ذهب إلى مستوى أعمق من ذلك، حين ربط مفهوم السيادة بقدرة الدولة الفعلية على حماية مواطنيها داخل حدودها. فالسيادة، في هذا الفهم، ليست مجرد خط مرسوم على الخريطة أو حق قانوني في مواجهة الخارج، وإنما هي قدرة الدولة على صيانة حياة الإنسان وأمنه وكرامته وحقه في العمل والتنقل داخل وطنه. ولذلك لم يرَ التصريح أن الخطر يكمن فقط في الجهة التي نفذت الاعتداء، بل أيضاً في الواقع الذي جعل المواطن السوداني عرضة للخطر وهو داخل أرضه. وهنا يتحول مفهوم السيادة من شعار سياسي إلى معيار عملي يُقاس بمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها، لا بمجرد قدرتها على رفع الشعارات أو إصدار البيانات.
إذا كانت معظم البيانات قد أدانت الجريمة، فإن تصريح البعث حاول أن يفهم ما وراء الجريمة. وإذا كانت أغلب المواقف قد انشغلت بالسؤال عن الجهة التي قصفت المعدنين، فإن تصريح البعث انشغل أيضاً بالسؤال عن الدولة التي لم تعد قادرة على حماية مواطنيها. ولذلك فإن خصوصية التصريح لا تكمن في مستوى الإدانة، بل في أنه نقل النقاش من دائرة الحدث إلى دائرة البنية، ومن الجريمة إلى أسبابها، ومن الضحية إلى الدولة التي عجزت عن منع إنتاج الضحايا. وهنا تحديداً تكمن قيمته السياسية والفكرية، لأنه لم يكتف بوصف الألم، بل حاول تفسيره والكشف عن جذوره. فالجريمة، في نهاية المطاف، لم تكشف فقط عن هشاشة الحدود، بل كشفت عن هشاشة الدولة نفسها. ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء التحقيقات ومعرفة الجناة ليس فقط: من قتل المعدنين؟ بل كيف أصبح السوداني يحتاج إلى الحماية من الخطر داخل وطنه قبل خارجه؟ وهنا تحديداً تكمن القيمة الفكرية لتصريح حزب البعث، لأنه لم يكتفِ بملاحقة الجريمة، بل حاول ملاحقة الظروف التي أنجبتها.

Leave a Reply