*نعم لسودانٍ يسعُ الجميع* *لا لمتهافتي التَّسويات الجزئيَّة* *والسُّلطويَّة*

صحيفة الهدف

*بقلم: البخيت النعيم*

يقول الدكتور منصور خالد، في كتابه (السودان أهوال الحرب وطموحات السلام: قصة بلدين):

اقتباس: (مصير أفريقيا معلق بالسودان، فإن نجح السودان في تحقيق مصالحه بين عنصري الوطن فإنه يؤدي عملاً رائداً تستفيد منه القارة، أما إذا دام الصراع في السودان وأضحى مزمناً، سيؤدي ذلك إلى ارتفاع حدة التوتر في البلاد الأفريقية).

فالواقع السوداني المر والأمر خلال حرب 15 أبريل 2023م، والتي تتمدد للعام الرابع، أدخل الوطن في أزمة شاملة، فالسودان لم يكن ساحة أزمة داخلية فقط، بل أصبح جزءاً من توترات إقليمية ودولية متشابكة تتداخل فيها مصالح قوى متعددة أفريقية وعربية وأوروبية وأمريكية. لذلك تداخلت الأجندات الأمنية والموارد والثروات وصراع المياه والملاحة والموقع الجيوسياسي. هذا التداخل أكده الدكتور أحمد الشوتري، أستاذ العلوم السياسية بالجامعات الجزائرية، في ندوته بالخرطوم بعد انتصار ثورة ديسمبر 2018م، حيث قال إن عالم اليوم تتداخل فيه القضايا الوطنية والإقليمية والدولية.

هذا التداخل يجعلنا نفكر في كيفية المحافظة على السيادة الوطنية، وأن المحافظة عليها لا تجعلنا ننعزل عن محيطنا الإقليمي والدولي، بل المطلوب التدبر والقدرة الواعية على التمسك بالثوابت الوطنية من موقع قوة والتحكم في التأثير الخارجي.

فإدارة العقل السياسي والاستراتيجي يعرفها المفكر ماكس فيبر بقوله: (السياسة هي الحفر ببطء في ألواح من الخشب الصلب بيد راسخة وعين تبصر الممكن).

*نعم لسودان يسع الجميع*

خلال الفترات الماضية، جرت تحت الجسر، مؤتمرات ولقاءات ومبادرات وطنية داخلية ، وفي دول عربية وأفريقية وأوروبية وأمريكية، كمبادرة الرباعية والخماسية والاتحاد الأفريقي والأيغاد  والجامعة العربية وغيرها، من أجل حل الأزمة السودانية ووقف الحرب، ولا يزال شعبنا بين الترقب والانتظار لنتائج ملموسة توقف النزاع المسلح بين الأطراف، وفتح الباب أمام الدعم الإنساني والوصول إلى خارطة طريق سياسية مدنية تمهد الطريق لحكومة انتقالية وعدالة انتقالية لفترة محدودة، بغرض إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف ومراقبة إقليمية ودولية، تساهم هذه الخارطة في استقرار الوطن والمحافظة على سيادته ووحدته، وتقطع الطريق أمام الطموحات السلطوية التي أشعلت الحرب، ولا تزال ترفع شعارات التصعيد والتصعيد المضاد وخطاب الكراهية والجهوية وتجزئة وتفتيت البلاد إلى دويلات.

إن غالبية جماهير شعبنا وقواه الحية المتمثلة في قوى الثورة السياسية والمدنية والديمقراطية والمهنية والنقابية والعمالية والرعوية والزراعية تصطف خلف شعار مركزى وهو وقف الحرب والمحافظة على قطر السودان موحداً أرضاً وشعباً، ومساءلة ومحاسبة الأطراف التي أشعلت الحرب وارتكبت أخطاء استراتيجية بحق شعبنا.

وطالب الأستاذ علي الريح السنهوري، أمين سر حزب البعث بالسودان، في كلمته أمام حشد قوى الثورة السودانية في مؤتمر نيروبي بكينيا في مايو 2026م، بضرورة وقف الحرب، وأن المرحلة ليست لسباق الأيديولوجيا أو كيف يُحكم السودان بالاشتراكية أو النظام الليبرالي، فالمرحلة تتطلب الحفاظ على السودان موحداً حتى لا ينهار ويتلاشى. أي علينا قطع الطريق أمام قوى التفتيت والفساد وقوى الردة، وطالب الأستاذ السنهوري باصطفاف وطني وتكوين جبهة شعبية عريضة تضم كل بنات وأبناء شعبنا الذين لم يرتكبوا أخطاء استراتيجية بحق الوطن.

*لا للتهـافت للتسويات الجزئية والسلطوية*

حذر المفكر القومي الدكتور إلياس فرح، في لقائه مع الوفد السوداني في العراق عام 2001م، من مخاطر التسويات الجزئية، حيث قال: (الذين يتهافتون وراء التسويات الجزئية والمصالحات الفوقية يبحثون عن السلطوية، تحت رؤى ميكافيلية غير مهتمين بالحلول الجذرية للأزمة السودانية التي يفترض أن يكون مدخلها إرساء السلام والحرية وقيام التنمية المتوازنة والمحافظة على الوحدة الوطنية).

المتابع للمبادرات والمؤتمرات الإقليمية والدولية يلاحظ دوماً أن هنالك جهات داخلية وخارجية تُغرق المفاوضات بجهات وعناوين هي جزء من الأزمة الوطنية وأزمة الحرب، بل إن هذه القوى ترى أن وقف الحرب والوصول إلى مصالحة وطنية شاملة يعني زوال بذرة مشروعهم الظلامي والسلطوي، فإشعالهم للحرب ورفض كل المبادرات والهدن بحجج غير موضوعية وغير أخلاقية أو إنسانية، ما يؤكد أنهم يلهثون ويتهافتون من أجل إشراكهم في أي تسويات أو مفاوضات حتى يكونوا جزءا من أى سلطة قادمة،أى إعادة انتاج  الحلقات الشريرة.

وبهذا المعنى فإن إشراك قوى الردة خطأ استراتيجي، بل خيانة لأهداف الانتفاضات والثورات والشهداء، فشعبنا لن ينسى صور ومشاهد ومآسي مذابح شهور رمضان الدموية، فالطغاة مصرون على استباحة دماء الثوار والثائرات والأحرار، ولا تزال ذاكرة شعبنا حية عندما تم اغتيال شهداء حركة 28 رمضان المجيدة في 23 أبريل 1990م، حيث تم اغتيال 28 ضابطاً كانوا كواكب مضيئة من أجل خلاص وطني يعيد الحرية والديمقراطية ويؤسس للسلام ووحدة الوطن.

مثلما لا يزال شعبنا يتذكر مذبحة ومجزرة فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم في 29 رمضان، 3 يونيو 2019م، حيث أُغرقت الخرطوم ونهرها بدماء الأحرار.

إن قيام انقلاب 25 أكتوبر 2021م كان خطأً استراتيجياً أجهض مشاريع انتفاضة ديسمبر المجيدة الخدمية والتنموية والنهضوية، بل إن الانقلابيين ومن وراءهم مهدوا الطريق لقيام حرب 15 أبريل 2023م التي أدخلت السودان في كارثة وهددت كيان الدولة.

حقاً إن حرب 15 أبريل أشعل أتونها الحمقى والبلهاء كوسيلة لإعادة إنتاج سلطتهم الزائفة والفاسدة، فهل نعفو ونصافح الذين أدخلوا الوطن في كارثة إنسانية وكارثة نزوح ولجوء غير مسبوقة عالمياً، كما أكدتها أرقام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، التي أوضحت مأساة حرب أبريل في السودان، وأن أكثر من 33 مليون سوداني وسودانية يحتاجون للمساعدة الغذائية، و21 مليوناً يواجهون انعدام الغذاء، و19 مليون طالب وطالبة لهم ثلاث سنوات خارج قاعات الدرس، بل إن مئات الآلاف من طلاب الشهادة السودانية الثانوية لم يجلسوا لامتحاناتهم، فقد تم تسييس التعليم من قبل حكومتي الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا.

هذا يعني أن جيلاً كاملاً في حالة عزلة عن المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة وغيرها من أنواع المعرفة.

أيضاً 14 مليون سوداني تحت تهديد الألغام ومخلفات الحرب. ويعتبر السودان في عام 2026م، وفي ظل الحرب وشبح انهيار الدولة، يصارع خط الانهيار التنموي، بل تم تدمير وتفتيت العقل الجمعي المنتج والاستقرار السياسي.

لذلك أقول: أي حل استراتيجي للأزمة السودانية عليه أن يستلهم الأبعاد الأخلاقية والإنسانية والسياسية والتاريخية، وعليه أن ينظر بعين ثاقبة تستلهم وعي الماضي ووعي واقع الحاضر ووعي استشراف المستقبل من أجل حل جذري تاريخي للأزمة السودانية، والمحافظة على وحدته وسيادته وإقامة السلام المستدام والدستور الدائم والتنمية المتوازنة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.