▪️في السابع والعشرين من سبتمبر 2026، انعقد في بورتسودان المؤتمر الدولي للموانئ السودانية، بتنظيم هيئة الموانئ البحرية السودانية بالتعاون مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، تحت شعار (دور الموانئ السودانية في تعزيز الاستثمار والاقتصاد الوطني). وتناول المؤتمر قضايا تطوير الموانئ، والاستثمار، والمناطق الحرة، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر. هذا في ذاته حديث مشروع، فالموانئ ليست أرصفة وسفنًا وحاويات فحسب؛ وإنما هي بوابات للتجارة، وممرات للتواصل، وأدوات يمكن أن تسهم في بناء الاقتصاد الوطني. لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أي نقاش أو ملتقى حول مستقبل الموانئ هو: أي اقتصاد في السودان نريد أن تخدمه هذه الموانئ؟ وأي دولة ستدير هذا الاقتصاد؟ وأي بيئة سياسية واجتماعية وأمنية ستضمن استدامته؟
ولهذا فإن السؤال الأهم هو: هل تستطيع الموانئ أن تؤدي دورها كاملًا في بناء اقتصاد وطني مستقل منتج ومتوازن القطاعات، بينما تستمر الحـ.ـرب؟ والإجابة تحتاج إلى قدر من التمييز، يمكن للميناء أن يستقبل السفن، ويمكن للبضائع أن تدخل وتخرج، ويمكن حتى أن تُبرم اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتُطرح مشروعات استثمارية جديدة. وقد شهد عام 2026 بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، من استئناف عمليات الترانزيت إلى مشاريع توسعة بعض المرافق واستقطاب خطوط ملاحية جديدة. لكن التنمية المتوازنة والشاملة ليست مجرد حركة سفن، التنمية المتوازنة منظومة تبدأ من الاستقرار، وتمتد إلى المؤسسات، ومنها الناقل الوطني البحري والنهري والحديدي الحديث، والقوانين، والشفافية، والبنية التحتية، والتدريب، وسلامة طرق النقل، وقدرة الدولة على حماية الاستثمار، وربط الميناء بالإنتاج الوطني والأسواق الداخلية والإقليمية.
ومن هنا فإن وقف الحـ.ـرب ليس شرطًا لتشغيل الميناء؛ لكنه شرط أساسي لكي ينتقل الميناء من مجرد منفذ تجاري يعمل في ظروف استثنائية إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية.
▪️ السودان لا يحتاج إلى ميناء يستقبل السفن فقط؛ بل يحتاج إلى اقتصاد ينتج ما تحمله السفن إلى العالم. وهنا تتقدم قضية إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد الوطني، فالاقتصاد الذي يحتاجه المواطن السوداني ليس اقتصادًا يعيش على الطوارئ، ولا اقتصادًا يقوم على الوسطاء والمضاربات؛ وإنما اقتصاد إنتاجي يقوم على تعدد القطاعات وتوازنها سواء في الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والتعدين والخدمات والمعرفة، ويجعل من الموانئ جزءًا من سلسلة الإنتاج والتصدير، لا مجرد نقطة عبور للبضائع.
ويمتلك السودان مقومات مهمة يمكن أن تجعل من موقعه على البحر الأحمر قيمة اقتصادية وإقليمية حقيقية، فبورتسودان هي البوابة البحرية الرئيسية للبلاد، والساحل السوداني يتمتع بموقع استراتيجي يمكن أن يخدم التجارة الإقليمية، ولا سيما الدول غير الساحلية في محيط السودان.
الموقع يحتاج إلى بنية تحتية حديثة، ومؤسسات مستقرة، وتشريعات واضحة، وطرق ونقل وسكك حديدية، ومناطق تخزين وتصنيع، وأنظمة جمركية ورقمية كفؤة، وقبل ذلك كله إلى بيئة سياسية واجتماعية وأمنية تسمح بالتخطيط والاستثمار طويل الأجل. ولهذا فإن الحديث عن تطوير الموانئ ينبغي ألا ينفصل عن الحديث عن الدولة نفسها.
وقد ظهرت بالفعل، بالتزامن مع المؤتمر، أسئلة وانتقادات نقابية بشأن توقيته وأهدافه ومخاوف من خصخصة الموانئ. وهذه الآراء ينبغي أن تُسمع وتناقش في إطار شفاف، لأن تطوير الموانئ لا ينبغي أن يكون مجرد مشروع استثماري، بل مشروعًا وطنيًا تُعرف فيه طبيعة الشراكات، وحقوق الدولة، وحقوق العاملين، وضمانات المال العام، والعائد الاقتصادي على السودان.
إن الميناء المبتغى ليس بوابة لاستقبال السفن فقط، وإنما بوابة لاستقبال المستقبل. ميناءً يخدم الإنتاج الوطني، لا مجرد حركة الوساطة. ميناءً تُدار موارده بشفافية، وتُحمى فيه أصول الدولة، وتُراعى فيه حقوق العاملين. ميناءً يربط السودان بمحيطه العربي والأفريقي والدولي، من موقع الندّية والمصلحة المتبادلة، لا من موقع التبعية. موانئ تكون جزءًا من مشروع اقتصادي وطني يجعل من البحر الأحمر نقطة انطلاق للإنتاج السوداني إلى العالم. ولهذا فإن وقف الح.رب ليس نهاية الطريق، وإنما بدايته.
▪️ فالميناء يمكن أن يعمل في زمن الحـ.ـرب، وهذا واقع تؤكده حركة الملاحة نفسها، لكن الميناء لا يستطيع وحده أن يصنع السلام، ولا يستطيع أن يعوض غياب الاستقرار، ولا أن يحمل وحده عبء إعادة بناء الاقتصاد الوطني، فلابد إذن أن تتوفر أولًا البيئة التي تجعل ذلك ممكنًا.
عندها فقط يتحول الميناء من مجرد منفذ على البحر إلى نافذة على المستقبل. فالاقتصاد وسيلة لخدمة الإنسان وتفجير طاقاته، والتنمية المتوازنة والشاملة وسيلة لبناء مجتمع العدالة والمساواة، والميناء أداة من أدوات الدولة، أما الغاية النهائية فهي أن يصبح السودان دولة مستقرة، موحدة وذات سيادة، منتجة، قادرة على إدارة وتنمية مواردها ومؤسساتها ومنافذها السيادية بما يخدم مواطنيها ومستقبلها. الموانئ تعمل، لكن التنمية المتوازنة لا تكتمل بغير السلام، ولا شيء اولي وأحق من السلام.
حزب البعث العربي الاشتراكي
كلمة الهدف
2026/10/3

Leave a Reply