الخرطوم وجوبا.. روح واحدة في جسدين

صحيفة الهدف

صلاح المكي

أتذكر أنني قلت لصديقي وأخي أقوير براج أتيم، في ختام حوار حول الانفصال كان متحمساً له، إن المشكلة الحقيقية ليست في العلاقة بين الشمال والجنوب بقدر ما هي في طبيعة الصراعات الكامنة داخل المجتمع نفسه. قلت له إن العداء للشمال تشكّل إلى حد كبير عبر خطاب الح.رب والتعبئة السياسية، والخطاب يمكن تغييره أو تفكيكه بمرور الزمن، لكن الصراعات القبلية المتجذرة داخل الجنوب واقع أكثر تعقيداً، ولا يمكن تجاوزه بالشعارات وحدها. وتوقعت حينها أن ينفجر الصراع بين مكونات المجتمع الجنوبي نفسها، وأن تكون خسائره البشرية أكبر من خسائر عقود الح.رب الطويلة.
#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:
لم يكن ذلك استنتاجاً نظرياً بحتاً، بل استند أيضاً إلى ما عايشته في بيئة العمل وسط عدد من الإخوة الجنوبيين من الدينكا والشلك والنوير، حيث كانت الإساءات تُطلق أحياناً بلهجة قبلية: “يا شلكاوي”، و”يا نويري”، و”يا دينكاوي”، في مشهد كشف أن الانتماء القبلي كان حاضراً بقوة داخل الوعي الاجتماعي، وربما أقوى من أي شعارات سياسية عابرة.

لم يكن انفصال جنوب السودان عام 2011 نهايةً لصراع طويل، بقدر ما كان بدايةً لمرحلة أكثر تعقيداً وأشد قسوة. فالحلم الذي رُوِّج له باعتباره بوابة للسلام والاستقرار سرعان ما تحول إلى واقع مثقل بالح.روب الداخلية والانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية في كلا البلدين. وكأن الجسد الواحد الذي قُسِّم إلى نصفين لم يفقد وحدته فحسب، بل فقد كذلك قدرته على الحياة بصورة طبيعية.

في الخرطوم، لم يتوقف النزيف؛ تعددت مراكز النفوذ، وتشابكت الصراعات، وبدأت مؤسسات الدولة تتآكل من الداخل. وفي جوبا، وجدت الدولة الوليدة نفسها غارقة في ح.رب أهلية مدمرة كشفت هشاشة البنية السياسية والاجتماعية، وعجز المشروع الانفصالي عن بناء دولة مستقرة وقادرة على احتواء تناقضاتها. وهكذا لم يكن الانفصال علاجاً للأزمة، بل بدا وكأنه إعادة توزيع لها على جبهتين بدلاً من جبهة واحدة.

الحقيقة التي أصبحت أكثر وضوحاً اليوم هي أن جذور الأزمة لم تكن في وحدة الأرض بحد ذاتها، وإنما في طبيعة الحكم، وغياب العدالة، وسوء إدارة التنوع. لقد عانى الشمال والجنوب من العلل نفسها، وفي مقدمتها غياب التنمية المتوازنة. لكن بدلاً من معالجة تلك الاختلالات البنيوية، جرى اللجوء إلى الانفصال بوصفه حلاً سريعاً ظاهرياً، لكنه كان أكثر تعقيداً وخطورة في نتائجه.

إن العلاقة بين الخرطوم وجوبا ليست مجرد حدود سياسية تفصل بين دولتين، بل هي تاريخ مشترك، وثقافة متداخلة، ومصالح اقتصادية واجتماعية يصعب فصلها. فالنيل الذي يعبرهما لا يعترف بالحدود، والتجارة التي ربطتهما لعقود ما تزال ضرورة، كما أن الأمن والاستقرار في أحدهما ينعكسان بصورة مباشرة على الآخر.

ولهذا، فإن استمرار القطيعة لا يبدو طريقاً للحل، بقدر ما يمثل امتداداً للأزمة وتعميقاً لها.

قد تبدو الدعوة اليوم إلى إعادة التفكير في شكل جديد للعلاقة بين السودان وجنوب السودان ضرباً من الخيال لدى البعض، لكن جوهر الفكرة لا يتعلق بالحنين إلى الماضي أو بإعادة إنتاج مركزية قديمة، وإنما بالتفكير في مستقبل مختلف يقوم على العدالة الحقيقية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديداً.

لقد أثبتت تجارب عديدة في العالم أن الشعوب التي فرقتها السياسة تستطيع أن تعيد بناء شراكاتها حين تدرك أن مصالحها المشتركة أكبر من خلافاتها، والسودان بشماله وجنوبه ليس استثناءً من ذلك.

لقد أثبت الانفصال أنه لم يكن نهاية للح.روب، بل إعادة تشكيل لها. كما بيّنت التجربة أن إضعاف الجسد لا يقود بالضرورة إلى شفاء أجزائه. لذلك، فإن أكثر الخيارات شجاعة اليوم قد لا يكون التمسك بالواقع كما هو، وإنما امتلاك الجرأة لإعادة تخيل المستقبل.

فالخرطوم وجوبا ليستا دولتين متخاصمتين، بقدر ما هما روح واحدة في جسدين أنهكهما الفراق. وربما آن الأوان لإعادة وصل ما انقطع، لا بدافع الحنين إلى الماضي، بل بدافع الحاجة إلى المستقبل.

#آراء_حرة #السودان #جنوب_السودان #الخرطوم #جوبا #صلاح_المكي #الانفصال #السودان_وجنوب_السودان #اخبار_السودان #السياسة_السودانية #وحدة_السودان #التنوع_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.