الشاعر الإريتري يقول إن القصيدة حين تغنِّي حياة الناس تكتسب خلودها
أحمد يونس
بينما تدق أصوات المدافع بين الإخوة المتنازعين، وعند شجرة “نيم” ظليلة بجوار بائعة شاي شعبية وسط مدينة “كسلا الوريفة” التي خصها الشعر بكثير من الغزل، تحدث الشاعر محمد محمود الشيخ الشهير بـ(محمد مدني)، عشية أمسية شعرية في المدينة ظلّلتها أجواء الحرب بقوة، وهو يقرأ متحديًا أهوالها عن “الأطفال والرفاق الذين أخفوا عنهم عورة من دفنوهم”.
محمد مدني أصوله من إريتريا وحياته في السودان، ويتنازع عليه السودانيون والإريتريون، لكنهم مقتنعون في النهاية بأنه “سوداني – إريتري” أو شاعر “القطرين” تيمّنًا بالشاعر خليل مطران. التحق بحركة التحرير الإريترية مقاتلًا بقلمه ولسانه، وتغنت بأشعاره فرق غنائية شهيرة في البلدين، صدر له ديوانان شعريان (نافذة لا تغري الشمس)، و(تحت الحياة فويق الممات)، وله أعمال أخرى قيد الطبع.
وهذا حوار حول تجربته وهموم الشعر والحرب..
يقول مدني: ما الشعر سوى “ريشة في أجنحة الإبداع، تتيح للمجتمع التحليق الحر، وزاده في التحليق جمهور الشعر، وحضوره للاستماع تعبئة ضد الحرب”، أما “الشاعر” فإنسان لا يقف دوره على كتابة وإلقاء القصائد، بل يفرض عليه واجبه الإبداعي الإسهام في مجتمعة بحسب وظيفته الاجتماعية ووظيفته الإبداعية وموهبته، ويتوجب عليه أن يجعل متلقين الشعر يحسون أن القصيدة هي “بضاعتهم ردت إليهم”، وإن لم يكن فاعلًا كإنسان لن يكون فاعلًا كمبدع”.
جئت إلى كسلا ليس نازحًا، بل لأسباب أسرية، فجذوري تمتد إليها؛ لذلك فإن أمسيتي الشعرية الأولى أثناء الحرب كانت في هذه المدينة الشاعرة رغم أن مراتع صباي كانت في ود مدني، لكن لكسلا حنينًا خاصًا.
زرت المدينة واحتفى بي وسطها الثقافي وجمهورها الشاعر، وزادت وسامة مبدعيها بالمبدعين الذين أتت بهم الحرب للمدينة، من الأصدقاء “الناقد مصعب الصاوي، والمبدعين عمر دفع الله وأحمد نمر وآخرين”، ومن هنا جاءت فكرة كسر اليباس الثقافي بإقامة “أمسية شعرية”، ولو لتخفيف معاناة الذين فرّوا من الحرب إلى المدينة “القضية ليست قراءة شعر، بل تحريك للحس والوعي العام بمقاومة الحرب، وترسيخ لشعار لا للحرب”.
الشاعر بين حربين
وبشأن الحربين، يقول مدني: تركت الثورة الإريترية أثرًا بائنًا على الشعر وعليّ، وهكذا تفعل حاليًا “حرب الجنرالين”، فقد عايش أبناء جيلي الهبّات الثورية والانقلابات والفوران السياسي منذ الصبا الباكر، وتأثرت بها في أشعاري، وهنا لست وحدي؛ فشاعر أو شاعران سيكونان نقاطًا متباعدة في بحر التأثير.
تأثرت أشعاري بحرب التحرير الإريترية كثيرًا، فمنذ يفاعتي وجدت نفسي عضوًا مراقبًا في الاتحاد العام لطلبة إريتريا، ثم أصبحت عضوًا عاملًا فيه، ثم دفعني انتمائي للالتحاق بميدان القتال في إريتريا كإعلامي، فعشت حرب التحرير بمعناها ومعاناتها، وتأثرت بها قصيدتي، لكن مع ذلك لم تكن الحرب هي “الثيمة الشعرية” التي تكتب القصائد، كانت أمامي الحرب والأرض والوطن والتحرير، لكن من البداهة أن تتأثر القصيدة.
أن تكون إريتري الأصل وولدت وعشت في السودان، يحمّلك هذا همّ البلدين (السودان وإريتريا)، أما “نحن” كمجتمعات ممتدة تعيش على جانبي حدود البلدين فلا تحدنا هذه الجغرافيا، وتلك “حقيقة ديموغرافية”؛ ما تسبب في تنازع على هوية الشاعر والقصيدة، وحين تغنت فرقة “عقد الجلاد” السودانية بقصيدتي، فالإريتريون يقولون إنها كُتبت لهم، والسودانيون مقتنعون بأنها كُتبت من أجلهم؛ لأن القضايا التي يعانيها الإنسان هنا وهناك متشابهة، فمجتمعنا هو “المجتمع الإريتري والمجتمع السوداني”.
هذا الحب القاسي
يتابع: اجتهدت ألاّ تتحوّل قصيدتي خطابًا سياسيًا مباشرًا، وأن تحتفظ بلباسها وثوبها الإبداعي، ومع ذلك قد يطل هتاف هنا أو هناك، نتيجة الغضب والإحساس بالظلم، مثلي وشعراء الثورة الآخرين، فشاعرنا محجوب شريف، أو حتى نيرودا أو لوركا، فأشعارهم إلى جانب القوة الإبداعية فيها، لا تخلو من غضب وإحساس بالظلم والقمع الذي يواجهونه ومجتمعاتهم، مع هذا لا يمكن أن تغص القصيدة بهذا الغضب دومًا.
لم أكتب أي قصيدة أثناء الحرب الحالية، فقد توقفت عن كتابة الشعر منذ فض الاعتصام، وليس بالضرورة أن يكون هناك انفعال مباشر لكتابة قصيدة، لكن التراكم قد يلد حالة شعرية تثمر قصيدة، أنا من حيث المبدأ ضد تفصيل قميص للقصائد الثورية، أو غيرها؛ لأنها ستكون قصيدة تحريض لو اكتفت بهذا الوصف، وتكون قد دخلت مدخلًا إشكاليًا يجعل الشاعر يبدو كأنه محرّض على الحرب، لو تناولت القصيدة الحرب، وانتهت الحرب، ستنتهي بنهايتها، أما حين تغني تجليات حياة الناس تكتسب خلودها، فحين أقول مثلًا: “أهواك يا فرح التقائي بالسهول وبالحقول وبالقطيع.. يا رجع صرخة أهل وادينا الوجيع.. ما دام في الغابات والوديان ينتشر الربيع.. لا العشق لا الإنسان في بلدي ستنهكه المسافة أو يضيع”، فأنا أتبادل العشق مع قضايا كثيرة ولا أحرّض على الحرب، بل أحرّض على إنهاء الحرب لتستمر الحياة بشكلها الجميل، وأقول مثلما قالها محمود درويش بمواجهة الأحاديث عن شعراء المقاومة: “ارحمونا من هذا الحب القاسي، نحن نكتب شعرًا”.
وعن القصيدة الأثيرة لديه يقول: ليست لي قصيدة أثيرة، فأثيرتي هي آخر قصائدي؛ لأنها تواصل إثارة قلقي، بل تتحداني وستظل الأثيرة إلى أن تكتمل، لأني أريدها تتجاوز سابقتها، قصيدتي الأثيرة هي التي اكتملت للتو، مثل التي قرأتها في منتدى كسلا، (النباتات تنمو لأعلى)) هي قصيدتي الأثيرة الآن، فلو اخترت قصيدة أثيرة فهذا يعني رأيًا في باقي قصائدي، المتلقي وحده هو من يملك هذا الحق. لا أغار من قصيدة عُرفت بها، بل أحيانًا تزعجني قصيدة تلقى قبولًا واسعًا، مثل تلك التي يسمونها أحيانًا “الدوزنة”، فأينما ذهبت يُطلب مني قراءتها، والأخرى التي يسمونها “عباس” لأنهم يشعرون أن بها “نفس حل يريدونه الآن”: تقول: “يا بحر قم حرّك تحرّك أو فعد نحو ابتدائك.. فالنهايات البعيدة لا تُحد.. الفظ جحيمك أو فغادر سأحليك إلى الأبد.. أو تابعوا ما شئتم.. أو طاوعوا من خفتم.. فالزاحفون إلى الفجيعة أنتم”، مثل هذه القصائد تستفز الشاعر، وتدفعه لتقديم الجديد المتجاوز دائمًا.
“شيطان الشعر”
الإلهام مهم للشعر والشاعر، أما فكرة “الملهمة الأنثى”، فحين يقولون “فلانة ملهمة فلان ومعظم قصائده عنها أو بوحي منها”، تجعل الشاعر “خياطًا” يفصّل الشعر إلى نسائي ورجالي وشعبي وإفرنجي، يمكن أن تلهمني شجرة النيم التي نحن جالسان تحتها الآن، أو سحابة عابرة، أو حتى طفل يتقافز في الشارع، أو ربما “مشهد خراب”: “طالعة من ظلام الحديد إلى عمر هذا الخراب المديد.. التقيت بقنبلتين رشقتهما فوق كمي قميصي”، فمن هي الملهمة هنا سوى هذا الخراب؟
لا اعتراض لدي على فكرة “وادي عبقر” في التراث الشعري العربي، فشيطان الشعر هو أن يقرأ الشاعر، والقراءة لا تعني الكتب وحدها، فأغلب شعراء العامية عندنا مثلًا لم يفكوا الحرف، ومع ذلك يقولون شعرًا بديعًا، هم لم يقرأوا الكتب، لكنهم قرأوا بيئاتهم.
إن ما يمكن تسميته “شيطان الشعر” الذي يصادف الشعراء في “وادي عبقر” ويهبهم القصائد، هو بالنسبة لي “الملهمة المحفزة المثالية” بمفهومها الفلسفي، وأراه ضروريًا للشعر، لا أكتب قصيدتي دفعة واحدة، ونادرًا ما فعلت ذلك، سوى في بداياتي الشعرية، أكتب قصائدي على فترات متباعدة قد تستغرق سنتين في بعضها، وفي وقت واحد قد أكون مشغولًا بثلاث قصائد غير مكتملة تحركها “ملهمات مختلفات”، ربما الحرب أو مواكب الثورة أو أجواء أو شخصية ما. ليست لي طقوس كتابة محدّدة، فقد أكتب في مقهى أو في البيت، حين تأتيني الكتابة فجأة أكتبها ثم أراجعها.
في كل الأحوال اكتشفت أني شاعر بقراءة أشعار الآخرين، وجعلت نفسي متلقيًا لقصائدي، فأقول لنفسي – من دون تنطع – هذا الشعر يعجبني، وكثيرًا ما أردد قصائدي التي تمس أشياء داخلي، قد يستهجن البعض هذا القول، لكني بعد أن اقتنعت أني شاعر، وأعطيت نفسي “صفة شاعر” لن أسمح لشخص بانتزاعها مني.
قطيعة شعرية
شهدت الثلاثون سنة الماضية حالة إظلام كامل، لكن الشعراء الصادق الرضي، عاطف خيري، عثمان بشرى، ومن أتوا بعدهم مثل الأصمعي، الكناني، نجلاء عثمان التوم، إيمان آدم، إيماض بدوي، أناروها بأعمال شعرية ضخمة، خلقت أجواء شعرية مختلفة، وأضافوا كثيرًا إلى حركة الشعر، بيد أن هناك من يفضلون الماضي ويرونه الأقوى والأفضل.
شخصيًا، شعرت بتحدٍ كبير في الفترة من النصف الأول للتسعينات من أشعار الصادق الرضي، وعاطف خيري، وعثمان بشرى، قلت لهم ذلك، هم أجبروني على أهمية أن أضيف إلى تجربتي الشعرية، ليس بالأسلوب نفسه الذي يكتبون به، لكن بما يجعل لقصيدتي وجودًا مع هذا الإنتاج الشعري المختلف.
الكلام عن قطيعة شعرية صحيح، فهؤلاء الشباب لم يرتبطوا بمن قبلهم، رغم أنهم كانوا يتواصلون مع الأجيال الأخرى في اتحاد الكتاب السودانيين، لكنهم قدّموا ألوانًا شعرية مختلفة، حتى أنهم يختلفون عن بعضهم بعضًا في تقنيات القصيدة، هم ليسوا تيارًا إلاّ بحسابات أنهم نشأوا في مرحلة زمانية متقاربة. فكرة تيار شعري تحيل إلى مدارس شعرية مثل تيار “الغابة والصحراء”، أو مدرسة الخرطوم في التشكيل، وهذا لا يمكن وصفهم به، هم لا يشكلون تيارًا أو مدرسة بهذا المعني، لكنهم تجايلوا وتركوا بصمة واضحة في الشعر السوداني.

Leave a Reply