من الدفاع عن الحزب إلى الدفاع عن الفكرة: قراءة في دلالات حوار الناطق الرسمي باسم حزب البعث والصراع على الذاكرة والشرعية والمشروع القومي (1- 3)

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

حين يقرأ المتابع حوار الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي المهندس عادل خلف الله، قد يبدو للوهلة الأولى أنه مجرد رد سياسي على تقرير إعلامي اتهم حزب البعث بامتلاك (إمبراطورية مالية)، والتأثير في مخرجات مؤتمره القومي الثالث عشر. لكن القراءة المتأنية تكشف أن الحوار يتجاوز بكثير حدود الرد الإعلامي المباشر، ليطرح بصورة غير مباشرة أسئلة عميقة تتصل بطبيعة الأحزاب العقائدية، ومعنى الشرعية السياسية، والصراع على الذاكرة التاريخية، ومستقبل الفكرة القومية العربية نفسها. فالحوار في جوهره لا يدافع عن أموال ولا عن أشخاص، بل يدافع عن معنى الحزب العقائدي في زمن تتآكل فيه العقائد السياسية لصالح شبكات المصالح والمنافع الآنية.

أولاً: لماذا يُستهدف الرمز قبل التنظيم؟ من أكثر الملاحظات أهمية في الحوار أن الرد لم يركز على تفنيد الأرقام والوقائع المالية فقط، بل انصبّ بدرجة أكبر على الدفاع عن شخصية الأمين العام المنتخب الأستاذ المناضل على الريح السنهوري. وهنا نصل إلى قضية فلسفية وسياسية عميقة. ففي الأحزاب العقائدية لا تكون القيادة مجرد جهاز إداري، وإنما تصبح تجسيداً حياً للفكرة نفسها. ولهذا فإن الهجوم على الرمز ليس مجرد هجوم على شخص بعينه، بل هو محاولة لنزع الشرعية المعنوية عن المشروع الذي يمثله. لإن الصراع السياسي الحديث لم يعد يدور حول السيطرة على الأرض فقط، بل حول السيطرة على الرموز. فالأنظمة قد تسقط وتُهزم الجيوش وتنهار الحكومات، لكن الرموز القادرة على البقاء في الوعي الجمعي تظل قادرة على إعادة إنتاج الأفكار التي تمثلها. ولهذا السبب كان استهداف الرموز سمة ملازمة لكل مشاريع الهيمنة عبر التاريخ. ولإن قتل الفكرة أصعب من قتل صاحبها، ولذلك يجري استهداف صاحب الفكرة حتى يُظن أن الفكرة نفسها قد ماتت. ومن هنا نفهم لماذا تعامل الحوار مع قضية الأستاذ السنهوري باعتبارها قضية تتعلق بشرعية المؤتمر القومي الثالث عشر كله، لا بمجرد مسؤولية تنظيمية.

يكشف الحوار أن جوهر القضية ليس شخص الأمين العام للحزب بقدر ما هو شرعية المؤتمر القومي الثالث عشر نفسه. فالحوار يتعامل مع انعقاد المؤتمر، في ظل ظروف عربية وإقليمية معقدة، باعتباره دليلاً على استمرار حيوية التنظيم القومي وقدرته على تجديد مؤسساته. ومن ثم يصبح التشكيك في نتائج المؤتمر أو قيادته جزءاً من التشكيك في شرعية المؤسسة الحزبية ذاتها.

ثانياً: المؤتمر القومي الثالث عشر بوصفه مصدر الشرعية: إذا كان استهداف الرمز يمثل أحد محاور الحوار، فإن البعد الأعمق يتمثل في استهداف المؤسسة التي أنتجت ذلك الرمز. فالحوار يكشف بصورة واضحة أن الجدل الدائر لا يتعلق بشخص الأمين العام المنتخب بقدر ما يتعلق بشرعية المؤتمر القومي الثالث عشر نفسه. فالمؤتمر، وفق الرؤية التي يعرضها المتحدث، لم يكن مجرد اجتماع تنظيمي دوري، بل تعبيراً عن استمرار الفكرة القومية وقدرتها على تجديد أدواتها ومؤسساتها رغم ما يحيط بالأمة العربية من أزمات وانقسامات وحروب. ومن هذه الزاوية يصبح التشكيك في نتائج المؤتمر أو في قيادته المنتخبة جزءاً من معركة أوسع تتعلق بشرعية التنظيم القومي واستمراريته التاريخية. فالأحزاب العقائدية لا تستمد شرعيتها من الانتخابات فقط، وإنما أيضاً من قدرتها على المحافظة على تقاليدها التنظيمية وآلياتها الداخلية في تداول المسؤولية وتجديد القيادة.

ثالثاً: الصراع الحقيقي هو صراع على الذاكرة: في ظاهر النص يبدو الحديث عن مؤتمر عقد في لبنان عام 2026، وعن اتهامات مالية معاصرة. لكن اللافت أن الحوار يعود باستمرار إلى:

1. المؤتمر التأسيسي عام 1947.

2. تجربة العراق البعثية.

3. ثورة تموز.

4. انتفاضة أبريل.

5. انتفاضة ديسمبر.

6. لجنة إزالة التمكين.

7. حرب أبريل 2023.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات النص. فالصراع السياسي في جوهره ليس صراعاً على الحاضر فقط. بل إنه صراع على الماضي أيضاً. فمن يملك تفسير الماضي يمتلك قدرة أكبر على توجيه المستقبل. ولذلك فإن كل مشروع سياسي كبير يسعى إلى بناء روايته الخاصة للتاريخ. فالتاريخ ليس مجرد وقائع، إنه مصدر الشرعية. ومن ينجح في إقناع الناس بروايته للماضي يصبح أكثر قدرة على إقناعهم برؤيته للمستقبل. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الحوار باعتباره محاولة للدفاع عن ذاكرة سياسية كاملة، لا عن مؤتمر حزبي بعينه.

رابعاً: الحزب العقائدي في مواجهة عصر السوق السياسي: ربما تكون هذه أهم قضية أثارها الحوار بصورة غير مباشرة. فنحن نعيش اليوم زمناً تراجعت فيه الأحزاب العقائدية عالمياً. وأصبحت السياسة في كثير من الأحيان أقرب إلى السوق منها إلى الرسالة. فالبرامج تُبدّل بسرعة. والتحالفات تتغير باستمرار. وكذلك الولاءات تتحرك وفق المصالح. والناخب أصبح يُعامل أحياناً باعتباره مستهلكاً أكثر منه مواطناً. في مقابل هذا الواقع يطرح الحوار رؤية مختلفة. إنه يقدم الحزب بوصفه جماعة إيمان بفكرة. ولهذا تتكرر فيه مفردات:

1. التضحية.

2. النضال.

3. الرسالة.

4. الوفاء.

5. الاستقلالية.

6. الاعتماد على الذات.

هذه ليست مجرد مفردات لغوية؛ إنها إعلان عن هوية سياسية مختلفة. فالفرق بين الحزب العقائدي والحزب الانتخابي لا يكمن في عدد الأعضاء أو حجم التأثير، بل في طبيعة الرابط الذي يجمع أفراده. فالحزب الانتخابي يجمعه البرنامج. أما الحزب العقائدي فيجمعه الإيمان. فالبرامج تتغير. أما الإيمان فيصمد أو ينهار دفعة واحدة.

بالتالي فإن الحزب العقائدي في الفكر البعثي لا يقوم فقط على برنامج سياسي أو رؤية اقتصادية، بل يستند إلى مفهوم أعمق هو مفهوم (الرسالة). فالرسالة ليست شعاراً تنظيمياً، وإنما تعبير عن إيمان تاريخي بأن الأمة العربية تمتلك دوراً حضارياً وإنسانياً يتجاوز حدود المصالح الآنية. ومن هنا يصبح الانتماء للحزب التزاماً بقضية ورسالة، لا مجرد عضوية في تنظيم سياسي. ولذلك لا يقاس نجاح الحزب بعدد المقاعد أو حجم النفوذ، وإنما بقدرته على المحافظة على رسالته التاريخية وإبقاء جذوة الإيمان بها حية في وجدان الأجيال.

ومن الأفكار اللافتة في الحوار رفضه تقسيم الحزب إلى أجيال متصارعة أو متنافسة، والتمسك بمفهوم (الجيل الجديد) الذي يحتل مكانة خاصة في الفكر البعثي. فالجيل الجديد ليس فئة عمرية محددة، بل حالة نضالية وأخلاقية تتجدد باستمرار. إنه الإنسان الذي يتحرر من الأنانية والتبعية والخوف، ويجسد قيم التضحية والإيثار والالتزام بالقضية العامة. وبهذا المعنى يصبح تجدد الحزب مرهوناً بقدرته على إنتاج هذا الجيل في كل مرحلة تاريخية، لا بمجرد تغيير الوجوه أو المواقع التنظيمية.

خامساً: لماذا يحتل التمويل كل هذه الأهمية؟: قد يظن البعض أن الحديث المتكرر عن اشتراكات العضوية مجرد تفصيل تنظيمي. لكن الحقيقة أن القضية أعمق بكثير. فالتمويل في الأحزاب العقائدية ليس مسألة مالية فقط. إنه مسألة أخلاقية وسياسية. لأن السؤال الحقيقي ليس: من أين يأتي المال؟ بل: من أين يأتي القرار؟ فالتمويل الخارجي غالباً ما يقود إلى التأثير الخارجي. والاعتماد على أصحاب الثروة يقود إلى التأثر بمصالحهم. ولهذا تحولت فكرة الاعتماد على الذات إلى جزء من الهوية التاريخية لكثير من حركات التحرر والأحزاب العقائدية. ومن هنا يمكن فهم إصرار الحوار على ربط المؤتمر القومي الثالث عشر بتقاليد الحزب منذ عام 1947. لأنه لا يدافع عن ميزانية مؤتمر. بل يدافع عن فكرة الاستقلال السياسي نفسها.

يتبع لطفاً

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.