من رماد الحـ.ـرب إلى إعادة اختراع الدولة: هل يكشف بيان (سما) ملامح السودان القادم؟

صحيفة الهدف

مقدمة : ليست كل البيانات الختامية وثائق تأسيسية، بعضها مجرد كلمات تقال ثم تنسى، وبعضها خطوات إجرائية تخطوها القوى ثم لا تلبث أن تتراجع عنها. لكن هناك بيانات نادرة، في لحظات تاريخية فارقة، تتحول إلى ما يشبه عقداً اجتماعياً، بين القوى الحية في الوطن، وبوصلة، ترسم ملامح المستقبل، وإعلان قيام، لوطن جديد يولد من رحم الحـ.ـرب والدمـ.ـار.
بيان قوى إعلان المبادئ السوداني (سما)، الصادر عن اجتماعها الثاني (22-23 مايو 2026) هو واحد من هذه الوثائق النادرة. إنه ليس بياناً سياسياً عادياً، ولا مذكرة تفاهم عابرة، ولا إعلاناً عن تحالف مؤقت. إنه، في جوهره، محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية نفسه، من دولة مهترئة تتهاوى تحت وطأة الحـ.ـرب، إلى دولة جديدة تقوم على أسس الحرية والسلام والعدالة. فالبيان، في جوهره، لا يدعو فقط إلى وقف الحـ.ـرب، بل إلى الانتقال من دولة الغلبة والتمكين إلى دولة المواطنة والمؤسسات. أي من دولة تُدار بالقوة المجردة إلى دولة تستمد مشروعيتها من العقد الاجتماعي والعدالة والاعتراف بالتنوع.
هذا المقال محاولة لقراءة هذا البيان قراءة عميقة، لا تستعرض مضامينه فقط، بل تحلل بنيته الفكرية، وتستخرج أبعاده الاستراتيجية، وتضع إصبع على نقاط قوته وضعفه، وتتساءل عن إمكانية تحويله من (نص ملهم) إلى (واقع معاش).

أولاً: بنية البيان – من الألم إلى المشروع:
1. البداية من رحم الألم: شرعية المأساة: يبدأ البيان بلحظة تأسيسية عاطفية قوية: (تنبثق الإرادة من رحم الألم). هذا ليس افتتاحاً خطابياً عابراً، بل هو إعلان عن مصدر الشرعية: شرعية الد.م، شرعية المعاناة، شرعية الملايين الذين نزحوا وجوعوا ومـ.ـاتوا. إنه يقول: نحن لا نمثل أحزابنا فقط، بل نمثل ضحايا الحـ.ـرب أنفسهم.
ففي اللحظات التاريخية الكبرى، لا تولد الشرعية فقط من صناديق الاقتراع أو النصوص الدستورية، بل من قدرة القوى السياسية على التعبير عن الألم الجماعي وتحويله إلى مشروع للخلاص الوطني. ولهذا يصبح الضحايا، في لحظات الانهيار الكبرى، هم المصدر الأخلاقي الأعلى للشرعية السياسية. هذه البداية تحمل في طياتها إجابة ضمنية عن سؤال الشرعية الذي يلاحق أي تحالف سياسي (من قال لكم إنكم تمثلون الشعب؟). الجواب هو: الألم نفسه، والإرادة التي تنبثق منه لا تحتاج إلى تفويض.
2. تحديد العدو: إعادة تعريف الصـ.ـراع: من النقاط الجريئة في البيان، أنه لم يكتفِ بالحديث عن (أطراف النـ.ـزاع) بعمومية، بل حدد المسؤول الأول عن إشعال الحـ.ـرب: (نظام المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية). ثم انتقل إلى الطرفين المتقـ.ـاتلين الحاليين، واصفاً إياهما بأنهما (يتناحران على أجساد أبناء السودان). هذا التحديد ليس مجرد اتهام، بل هو برنامج سياسي، فمن لا يعترف بجذور الأزمة (النظام السابق وسياسات التمكين) لا يمكنه أن يقدم علاجاً حقيقياً. ومن يخلط بين الضحية والجلاد، يضيع في متاهات الحياد الزائف.
3. من الحـ.ـرب إلى الدولة: ثلاث وثائق لمرحلة انتقالية: أجاز البيان ثلاث وثائق مترابطة، تشكل معاً إطاراً متكاملاً لإدارة المرحلة الانتقالية:
أ‌. ميثاق قوى إعلان المبادئ: تطوير لاتفاق نيروبي، أي تجاوز (إعلان مبادئ) إلى (ميثاق) ملزم.
ب‌. خارطة طريق وقف وإنهاء الحـ.ـرب: ربط بين الإنساني (الإغاثة) والعسكري (وقف النار) والسياسي (العملية الانتقالية) في مسارات متزامنة.
ت‌. آليات العملية السياسية: شروط المشاركة، المعايير، الضمانات.
هذه الثلاثية تعكس وعياً بأن وقف الحـ.ـرب ليس كافياً، بل لا بد من مشروع سياسي بديل، وميثاق أخلاقي يضبط العلاقة بين القوى المختلفة.
ثانياً: الأفكار المركزية – ما الذي يميز هذا البيان؟
1. القطيعة مع (تسويات الماضي): لعل أكثر ما يميز هذا البيان هو إصراره على القطيعة مع منطق الحلول الهشة والمصالحات الزائفة. فالسودان عانى من اتفاقيات سلام لم تدم، ومن مصالحات أعادت إنتاج الحـ.ـرب، ومن انتقالات سياسية لم تكتمل. واللافت أن البيان لا يستدعي ثورة ديسمبر بوصفها ذكرى رمزية فقط؛ بل بوصفها مصدر الشرعية السياسية والأخلاقية البديل عن شرعية السـ.ـلاح. فحين تتآكل شرعية القوة المـ.ـسلحة، تعود الثورة باعتبارها (المرجعية المؤسسة) لفكرة الدولة المدنية. ولهذا فإن استدعاء روح ديسمبر هنا ليس حنيناً سياسياً، بل محاولة لإعادة تأسيس المجال العام السوداني على قاعدة الإرادة الشعبية لا موازين البنادق. كما أن البيان يقول بصريح العبارة لن نكرر أخطاء الماضي. وما لم نحاسب من أشعلوا الحـ.ـرب، لن نستطيع بناء سلام دائم. وهذه إشارة واضحة إلى أن (عدم الإفلات من العقاب) ليس شعاراً حقوقياً فقط، بل شرطاً سياسياً لاستدامة السلام.
2. وحدة السودان: (ثابت غير قابل للمساومة): في زمن تتسارع فيه خطابات التقسيم، ويتردد فيه البعض في الدفاع عن وحدة البلاد، جاء البيان ليقطع الطريق على كل المشككين: (وحدة السودان شعباً وأرضاً وسيادةً ثابتٌ راسخ لا تجوز المساومة عليه)، مع التأكيد على أن التنوع ليس عيباً، بل ثروة وكنز تاريخي. هذه الرسالة مهمة على مستويين:
أ‌. داخلياً: ترد على خطاب الكراهية والعنصرية الذي يستخدم لتمزيق النسيج الاجتماعي.
ب‌. إقليمياً: ترد على أي مشاريع خارجية تستهدف تقسيم السودان.
غير أن أخطر ما في الحـ.ـرب السودانية أنها لم تعد صـ.ـراعاً داخلياً خالصاً، بل أصبحت نقطة تقاطع لمشاريع إقليمية ودولية تتنافس على الجغرافيا والموارد والممرات الاستراتيجية. فالسودان اليوم يقع في قلب معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي والتحولات الجيوسياسية الكبرى، وهو ما يجعل أي مشروع وطني سوداني معزول عن فهم هذه البيئة الإقليمية مشروعاً ناقصاً ومعرضاً للانهيار. وما يجري في السودان لم يعد معزولاً عن أزمة الأقطار العربية نفسها. فالسودان، مثل ليبيا واليمن وسوريا، يكشف كيف تتحول هشاشة الدولة الوطنية العربية إلى بوابة لتدويل الصـ.ـراع وتفكيك المجال الوطني. ولهذا فإن معركة السودان لم تعد فقط معركة وقف حـ.ـرب، بل معركة بقاء الدولة الوطنية العربية في مواجهة منطق المليـ.ـشيات والتفكيك.
والبيان لم يكتفِ بالتحليل، بل وجّه نداءً صريحاً للقوى الإقليمية والدولية، مناشداً إياها الوقوف في صف واحد مع الشعب السوداني، وتسخير طاقتها الدبلوماسية والإنسانية لوقف النزيف. هذا النداء يعكس وعياً بأن الحـ.ـرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً فقط، بل باتت قضية إقليمية ودولية.
3. الجبهة المدنية: (فريضة عين): البيان يستخدم تعبيراً دينياً محملاً بالدلالات: (فريضة عين). يعني أن العمل المدني المشترك ليس خياراً بين خيارات، بل واجب يتعين على كل قوة مدنية أن تشارك فيه. والجبهة المدنية ليست نادياً مغلقاً، بل بيت مفتوح لكل من يؤمن بوقف الحـ.ـرب والانتقال الديمقراطي. هذه دعوة صريحة لتجاوز الانقسامات الحزبية الضيقة، وبناء كتلة ثالثة (ثالثة في مواجهة طرفي الحرب) قادرة على أن تكون لاعباً مؤثراً في المشهد السياسي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في بناء جبهة مدنية واسعة، بل في قدرة هذه القوى نفسها على تجاوز أمراضها التاريخية: الانقسام، الشخصنة، ضعف المؤسسية، والتنافس على التمثيل. فالتجربة السودانية كشفت أن الأزمة ليست أزمة عسكريين فقط، بل أزمة طبقة سياسية كاملة لم تنجح حتى الآن في إنتاج مشروع وطني جامع ومستقر.
ولعل أخطر ما أنتجه هذا البيان – وأهم ما يميّزه عن كثير من الوثائق السياسية السابقة – أنه لم يعد يتعامل مع الدولة السودانية باعتبارها غنيمة محتكرة من جماعة بعينها، بل بدأ عملياً في تحرير فكرة الدولة نفسها من سطوة الكيزان ومنطق التمكين الذي صادر المؤسسات الوطنية لعقود. فالمعادلة الجديدة التي يطرحها البيان لا تقوم على فرز سياسي سطحي بين معسكرات الحـ.ـرب فقط؛ بل على (فرز الكيمان) داخل بنية الدولة ذاتها، بين من يرى مؤسسات الدولة—جيشاً وقضاءً وإدارةً وأمناً—أجهزة وطنية محايدة وظيفتها حماية البلاد والعباد، ومن حولها إلى آلات أيديولوجية، وأدوات لقمع المعارضين، ومطايا للوصول إلى السلطة والبقاء فيها.

إن أخطر ما يخشاه الإسلاميون اليوم ليس الهزيمة العسكرية فقط؛ بل انكشافهم التاريخي أمام الرأي العام السوداني والعربي والأفريقي والعالمي، بعدما بدأت مؤسسات الدولة نفسها تستعيد وعيها الوطني بعيداً عن قبضة التنظيم. ولهذا تبدو دعوة البيان، بصورة غير مباشرة، وكأنها نداء مفتوح لشرفاء القوات المسلحة، وللوطنيين داخل المؤسسات المدنية والأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى، وللقوى الوطنية داخل الحركات المسـ.ـلحة نفسها، كي يعودوا إلى (حضن الوطن) لا إلى حضن التنظيمات المغلقة. فالمعـ.ـركة هنا لم تعد مجرد صـ.ـراع على السلطة، بل صـ.ـراع على هوية الدولة، حول هل تبقى مؤسسات السودان رهينة لمشروع أيديولوجي ضيق، أم تتحول إلى مؤسسات وطنية جامعة تعلو على الحزب والطائفة والجهة؟
ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو (الجبهة المدنية) التي يدعو إليها البيان أكبر من مجرد تحالف سياسي، إنها محاولة لإعادة بناء الكتلة الوطنية السودانية نفسها، وفتح الباب أمام انتقال تاريخي تصبح فيه المؤسسات الوطنية – بما فيها شرفاء الجيش – جزءاً من مشروع السلام والدولة المدنية، لا أدوات في الحـ.ـرب أو واجهات للتمكين. وهنا يمكن القول إن (الكورة أصبحت في خانة الوطنيين)، داخل هذه المؤسسات، إما الانحياز للوطن والدولة، أو السقوط مع مشروع التفكيك والانهيار.

ثالثاً: نقاط القوة – ما الذي يجعل هذا البيان مختلفاً؟:
1. الجرأة في تسمية الأطراف: البيان لم يكتفِ بـ(الطرفين المتحاربين)، بل حدد نظام المؤتمر الوطني والحركة الاسلاموية كمسؤول أول، ووصف الطرفين الحاليين بأنهما (يتناحران على أجساد السودانيين).
2. القطيعة مع التسويات السابقة: إصرار على أن الحلول الهشة لن تجدي، وأن المصالحات الزائفة لن تكرر.
3. ربط الإغاثة بالسياسة: خارطة الطريق تدمج المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية، بدلاً من فصلها.
4. التمسك بوحدة السودان: في وقت يروج فيه البعض للتقسيم، يجدد البيان الثوابت الوطنية.
5. دعوة مفتوحة للانضمام: التأكيد على أن التحالف ليس نادياً مغلقاً، بل بيت مفتوح لكل القوى الديمقراطية.
6. التفاتة للمرأة والنازحين والضحايا: البيان لم ينسَ البعد الإنساني، وخاطب الفئات الأكثر تضرراً بلغة التضامن.
والبيان لم ينسَ كذلك الفئات الأكثر تضرراً. فقد خاطب المرأة السودانية، معترفاً بدورها في النضال، وخاطب النازحين في مخيماتهم المكتظة، والضحايا الذين سقطوا جراء الحـ.ـرب. هذه الالتفاتة الإنسانية تعيد الاعتبار للبعد الاجتماعي في العمل السياسي، وتذكر القوى السياسية أن الحـ.ـرب ليست مجرد صـ.ـراع على السلطة، بل هي معاناة يومية لملايين البشر. كما أنه لم يكتفِ بالمبادئ العامة، بل حاول وضع إطار تفصيلي للعملية السياسية: إجراءات وخطوات واضحة لتهيئة المناخ، وإعلان للمبادئ، وأسس للمشاركة، وتحديد دقيق للأطراف. هذه التفاصيل، رغم أنها لم تُستعرض في المقال، تعكس وعياً بأهمية عدم ترك العملية السياسية فريسة للاجتهادات المتأخرة.
غير أن قراءة هذا البيان تبقى ناقصة إذا لم نرفع أبصارنا إلى الأفق القومي الأوسع. فالسودان ليس القطر العربي الوحيد الذي يواجه شبح التفكيك والتقسيم. فما حدث في سوريا وليبيا واليمن والعراق ليس سوى نماذج مختلفة لنفس المشروع، مشروع تحويل الأمة العربية من كيان واحد إلى فسيفساء من الجماعات المتناحرة التي يسهل السيطرة عليها واستنزافها. وإذا كانت هذه الدول قد سقطت—كلٌ بطريقته— في فخ الحروب الأهلية والتدخلات الإقليمية، فإن السودان لا يزال يحمل فرصة أخيرة، في أن يكون النموذج الذي يقاوم، وأن يثبت أن الدولة الوطنية قابلة للاستعادة، وأن الوحدة في التنوع ممكنة، وأن الشعب حين يتوحد حول أولوياته الأساسية يستطيع تجاوز أعمق الأزمات.
لذلك، فإن إنقاذ السودان ليس شأناً سودانياً خالصاً؛ إنه معركة الأمة العربية كلها ضد مشاريع التقسيم والتفكيك. وإذا انتصر السودان، فإنه يقدم نموذجاً يُحتذى. وإذا سقط، فإن سقوطه سيكون إيذاناً بسقوط آخرين. وهنا تحديداً تكمن أهمية البيان، ليس فقط فيما يقوله عن السودان، بل فيما يمثله من أمل للأمة العربية بأكملها.

رابعاً: أسئلة مفتوحة تحتاج إلى إجابات تنفيذية:
1. الجداول الزمنية: متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟: البيان يحدد المبادئ بوضوح، لكنه يترك سؤالاً مفتوحاً حول التوقيتات. متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ كم تستمر العملية السياسية؟ الإجابة على هذه الأسئلة في وثائق لاحقة هي ما ستحول البيان من إطار ملهم إلى خريطة طريق قابلة للتنفيذ.
2. آليات المحاسبة: كيف نضمن عدم الإفلات من العقاب؟: البيان يرفض الإفلات من العقاب، ويطالب بمحاسبة من أشعلوا الحـ.ـرب. لكنه يترك السؤال مفتوحاً: هل المحاسبة قضائية (محاكم وطنية أو دولية) أم سياسية (عزل من المشهد) أم آلية مختلطة؟ هذا السؤال يحتاج إلى إجابة في المراحل التنفيذية، حتى لا تتحول المحاسبة إلى شعار دون تطبيق.
3. الاستراتيجية الاقتصادية: كيف نعيش بعد الحـ.ـرب؟: البيان يتحدث عن (بناء سودان جديد)، لكنه لا يقدم رؤية اقتصادية. وهذا ليس عيباً في بيان سياسي تأسيسي، بل هو إحالة ضمنية إلى مرحلة لاحقة. فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على إنتاج حياة اقتصادية مستقرة. السؤال الذي ينتظر إجابته: كيف نعيش بعد الحـ.ـرب؟
4. الوساطات الدولية: كيف نوحد المنابر؟: البيان يطالب (بتوحيد المنابر الخارجية في منبر واحد)، لكنه لا يحدد كيف. من سيدير هذا المنبر؟ كيف يتم التنسيق بين الآلية الخماسية والقوى المدنية؟ هذه أسئلة تنفيذية، والإجابة عليها هي ما سيحدد مدى قدرة القوى المدنية على التأثير في المشهد الدولي.

غير أن هناك سؤالاً أعمق يطرحه البيان ولا يجيب عليه: كيف نبني دولة جديدة على أنقاض دولة انهـ.ـارت، دون أن ننسى جراح الماضي، ودون أن نظل أسرى لها؟ التوازن بين (الذاكرة)، (حق الضحايا في المعرفة والمحاسبة) و(النسيان)، (قدرة المجتمع على تجاوز الصدمة والمضي قدماً) هو أصعب تحديات بناء الدولة بعد الحرب. البيان يلمح إلى هذا التوازن، لكنه يحتاج إلى هندسة سياسية واجتماعية دقيقة، لا تترك الضحايا وحدهم، ولا تسلم مفاتيح المستقبل للجلاّدين.
واللافت أن البيان لم يتحدث فقط عن السلام، بل عن (ملكية سودانية) للعملية السياسية. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن أحد أخطر أزمات السودان خلال السنوات الأخيرة كان تحوّل مصيره إلى ملف تتجاذبه العواصم الإقليمية والدولية أكثر مما تصنعه الإرادة الوطنية. ولهذا يبدو البيان وكأنه محاولة لاستعادة القرار السوداني من حالة (التدويل السياسي)، وإعادة تعريف السودانيين بوصفهم أصحاب القضية لا مجرد أطراف تنتظر التسويات الخارجية.

خامساً: الأسئلة المفتوحة التي يطرحها البيان:
1. كيف ننتقل من (الكتلة الثالثة) إلى (السلطة الثالثة)؟ التوحد بين القوى المدنية خطوة مهمة، لكن كيف تتحول هذه الكتلة إلى كتلة قادرة على فرض السلام على طرفي الحـ.ـرب؟
2. ما هي العلاقة بين الجبهة المدنية والجيش النظامي بعد الحـ.ـرب؟ البيان يتحدث عن (منظومة أمنية وعسكرية وطنية موحدة تذوب فيها كل الميلـ.ـشيات والجيوش). لكن كيف يتم بناء هذه المنظومة دون إقصاء أو انتقام؟
3. كيف نضمن عدم انقلاب الجبهة المدنية على نفسها؟ في أول اختبار، هل ستتمكن هذه القوى المتنوعة من الحفاظ على وحدتها، أم ستنهار تحت وطأة الصراعات على السلطة والنفوذ؟
4. الدول لا تُبنى بالشعارات السياسية وحدها، بل بالقدرة على إنتاج حياة اقتصادية مستقرة. والسودان الخارج من الحـ.ـرب سيواجه أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد وقف إطلاق النار: كيف يُعاد الإعمار؟ كيف تُستعاد الثقة في العملة؟ كيف يعود الإنتاج الزراعي؟ كيف تُدمج ملايين الفئات المتضررة داخل اقتصاد وطني جديد؟ لإن أي مشروع لبناء الدولة السودانية الجديدة سيظل هشاً ما لم يتحول الاقتصاد من اقتصاد حـ.ـرب وريع وفساد إلى اقتصاد إنتاج وعدالة وتنمية متوازنة.

سادساً: ما الذي يكشفه البيان عن مستقبل السودان؟
أعظم ما يكشفه هذا البيان ليس فقط ما يقوله، بل ما يعلنه ضمناً عن شكل المرحلة القادمة في السودان. فالنص يوحي بأن البلاد تدخل مرحلة (إعادة فرز تاريخي) داخل المجال السياسي والعسكري والاجتماعي معاً. فهناك، لأول مرة منذ سنوات، محاولة لإنتاج مركز سياسي مدني يسعى للخروج من ثنائية الجيش والدعم السريع، ومن ثنائية الإسلامويين وخصومهم، نحو مشروع أوسع يعيد تعريف الدولة نفسها.
كما يكشف البيان أن القوى المدنية بدأت تدرك أن أزمة السودان ليست مجرد أزمة سلطة، بل أزمة بنية دولة انهارت فيها العلاقة بين المركز والأطراف، وبين المؤسسة العسكرية والمجتمع، وبين الهوية الوطنية والانقسامات الإثنية. لكن الحـ.ـرب السودانية لم تدمّر مؤسسات الدولة فقط، بل أعادت تشكيل المجتمع نفسه. فسنوات الحـ.ـرب الطويلة أنتجت اقتصاداً قائماً على السلاح والتهريب والولاءات المسـ.ـلحة، ودفعت قطاعات واسعة من الشباب خارج المجال المدني نحو منطق النجاة الفردية أو الانخراط في شبكات العنـ.ـف. ولهذا فإن إعادة بناء الدولة السودانية لن تكون مجرد عملية سياسية أو دستورية، بل عملية إعادة ترميم اجتماعي وأخلاقي عميق، تستعيد فكرة المواطنة والثقة العامة ومعنى العيش المشترك بعد سنوات من التشظي والخوف والانهيار. والأهم من ذلك أن البيان يوحي بأن الصـ.ـراع القادم قد لا يكون فقط بين العسكريين والمدنيين، بل بين مشروعين للدولة:
1. مشروع الدولة الوطنية المدنية.
2. مشروع الدولة الأيديولوجية أو المليـ.ـشياوية.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تشهد:
1. تصاعد الصـ.ـراع داخل مؤسسات الدولة نفسها.
2. بداية تشكل كتلة وطنية جديدة تتجاوز الاستقطابات القديمة.
3. محاولات إقليمية لإعادة هندسة المشهد السوداني.
4. انتقال المعركة من الميدان العسكري إلى ميدان الشرعية السياسية.

وهذا ما يجعل البيان أقرب إلى (إعلان بداية مرحلة) أكثر من كونه مجرد موقف سياسي عابر. لكن التجارب التاريخية تعلمنا أن البيانات الكبرى لا تسقط فقط بسبب أعدائها، بل أحياناً بسبب عجز أصحابها عن التحول من لحظة الإجماع الأخلاقي إلى بناء المؤسسات. فالسودان يقف اليوم أمام لحظة دقيقة، إما أن تتحول هذه الرؤية إلى مشروع وطني منظم يمتلك أدوات التنفيذ والضغط الشعبي والمؤسسية، أو أن تبقى مجرد نص أخلاقي جميل يبتلعه واقع القوة والسلاح والتدخلات الخارجية.

الخلاصة – وثيقة ميلاد وطن جديد: بين 22 و23 مايو 2026، وفي ظل حـ.ـرب مستعرة، اجتمعت قوى إعلان المبادئ السوداني (سما). لم تخرج ببيان عادي، بل بوثيقة تحاول رسم ملامح سودان جديد: سودان الحرية، والسلام، والعدالة. البيان يعكس وعياً متقدماً بجذور الأزمة (نظام المؤتمر الوطني الاسلاموي، سياسات التمكين، الحلول الهشة)، ووعياً بخطورة المرحلة (خطر التقسيم، انهيار الدولة)، ووعياً بشروط الحل (المحاسبة، الوحدة، التوافق). لكن تظل الأسئلة مفتوحة: هل ستتحول هذه الوثيقة إلى واقع؟ أم ستبقى حلماً جميلاً في زمن الغزاة؟. الجواب ليس في النص، بل في إرادة القوى الموقعة عليه، وفي قدرتها على ترجمة الكلمات إلى أفعال، والمبادئ إلى مؤسسات، والوعود إلى مواثيق.
الطريق طويل، لكنه ليس مجهولاً. والإرادة حية، ولن تموت. والسودان الذي نريده — وطن جديد — يستحق كل جهد نبذله من أجله. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا البيان لا تكمن فقط فيما كتبه، بل فيما يحاول تأسيسه والذي يتمثل في الانتقال من منطق إدارة الانهيار إلى منطق إعادة بناء الدولة. وهذا هو التحدي التاريخي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم، هل تستطيع القوى المدنية أن تتحول من شاهد على المأساة إلى صانع للتاريخ؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.