عيد الأضحى.. لماذا لا تموت الأمم التي تعرف معنى الفداء؟

صحيفة الهدف

 طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

عيد الأضحى ليس مجرد مناسبة دينية، ولا احتفالاً عابراً ينتهي بانقضاء أيامه، بل هو محطة إنسانية وروحية عميقة، تتجاوز حدود الطقس والشعيرة إلى جوهر الأسئلة الكبرى التي رافقت الإنسان عبر التاريخ: معنى الإيمان، وحقيقة الطاعة، وقيمة الحرية، وفلسفة التضحية، وقدرة الإنسان على التمسك بالمبادئ حين يواجه الخوف أو الإغراء أو الألم؛ ولهذا ظل هذا العيد، عبر التاريخ، أكثر من مناسبة، وظل مدرسةً روحية وأخلاقية وفلسفية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وذاته، وبين الأمة ورسالتها في التاريخ، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162). إن القراءة السطحية للمناسبة تختزلها في “الذبح”، بينما القراءة العميقة ترى أن الذبح هنا ليس ذبح الجسد، بل ذبح الأنانية، والخوف، والتردد، والعبودية لكل ما هو أدنى من الحق، ولهذا جاء الامتحان الإلهي في القرآن الكريم امتحاناً مركباً يجمع بين أب يؤمر أن يذبح ابنه، وابن يقبل، وأم كانت قد سبقت الجميع في امتحان الصبر والثقة بالله وسط صحراء قاحلة.

وفي هذه اللحظة القرآنية العظيمة، لا يظهر سيدنا إبراهيم عليه السلام بوصفه أباً فقط، بل بوصفه الإنسان الذي انتصر للرسالة فوق غريزة التملك، والذي فهم أن الإيمان ليس كلمات تقال، بل استعداد دائم لدفع الثمن، ولذلك لم يكن المشهد مجرد اختبار فردي، بل تأسيساً لفلسفة كاملة في معنى التضحية تؤكد أن القيم الكبرى لا تمنح مجاناً، وأن الأمم التي تريد الخلود لا بد أن تمر بطريق الفداء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102). وما يلفت النظر في السرد القرآني أن البطولة لم تكن بطولة رجل وحده، ففي قلب المشهد تقف السيدة هاجر، تلك المرأة التي لم تكن هامشاً في القصة، بل كانت روحها العميقة أحد أعمدة المعنى، إذ تُترك في واد غير ذي زرع، بلا ماء ولا أنيس، لكنها لا تنهار، بل تبدأ السعي بين الصفا والمروة، وكأن القرآن يريد أن يقول منذ البداية إن الحضارات لا تقوم فقط بالشجاعة، بل بالصبر، ولا تبنى بالقوة وحدها، بل بالإيمان الذي لا ينكسر، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 158)، ليربط منذ البداية بين الإيمان والحركة، وبين العقيدة والسعي، فالحياة لا تمنح للمنتظرين، بل للساعين.

إن سعي هاجر لم يكن بحثاً عن ماء فقط، بل كان أول إعلان تاريخي عن دور المرأة بوصفها شريكاً في صناعة الرسالة والحياة والمستقبل، ومن هنا فإن عيد الأضحى ليس مناسبة ذكورية كما تُصوّر أحياناً، بل هو أيضاً عيد المرأة المؤمنة التي حملت العبء، وصبرت، وشاركت في تأسيس المعنى الإنساني للتضحية؛ ولذلك لم يكن عيد الأضحى منفصلاً عن شعيرة الحج، فالحج في جوهره ليس انتقالاً جغرافياً نحو مكان، بل عودة روحية نحو المعنى الأول للإنسان والأمة، حيث يخلع ملايين البشر الفوارق الطبقية والعرقية واللغوية، ويلبسون لباساً واحداً، وكأن الرسالة العميقة للحج هي أن الإنسان يولد من جديد حين يتحرر من أوهام التفوق والاستعلاء، تماشياً مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13). كما أن الطواف حول الكعبة ليس حركة جسد فقط، بل إعلان رمزي بأن للكون مركزاً أخلاقياً وروحياً يجب أن تدور حوله الحياة، لا حول القوة أو المال أو الهيمنة، ومن هنا يصبح الحج، في معناه الحضاري، تدريباً سنوياً للأمة على فكرة الوحدة؛ وحدة المصير، ووحدة الألم، ووحدة الرجاء، ولعل هذا ما يجعل من موسم الحج أحد أعظم المؤتمرات الإنسانية المفتوحة في التاريخ، حيث تلتقي الشعوب لا لتتنافس على المصالح، بل لتتذكر أن القيمة العليا في السماء ليست العِرق ولا السلطة، وإنما التقوى والعدل وكرامة الإنسان.

ومن المنظور الجدلي التاريخي، فإن الأعياد الكبرى لا تبقى حية لأنها تتكرر، بل لأنها تعيد إنتاج معناها داخل كل عصر، فالأمم لا تستدعي الرموز الدينية بوصفها ذكريات جامدة، وإنما بوصفها طاقة أخلاقية تُلهم الحاضر، ولهذا فإن عيد الأضحى في واقع الأمة العربية اليوم لا يمكن عزله عن سؤال الفداء التاريخي الذي تعيشه الأمة وسط الح.روب والتفكك والاستباحة ومحاولات كسر إرادتها الحضارية؛ وفي هذا السياق، تأتي الآية القرآنية العميقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ لتؤكد أن التضحية في الوعي الإيماني ليست خسارة، بل ارتقاءٌ أخلاقي وروحي، وأن الإنسان لا يكتمل إلا حين يصبح قادراً على الانتصار لما يؤمن به، مهما كان الثمن. إن المشروع القومي العربي، في جوهره العميق، لم يكن يوماً مشروع سلطة مجردة، بل كان مشروع نهوض، ووحدة، وكرامة، وعدالة، واستعادة للإنسان العربي بوصفه فاعلاً في التاريخ لا مجرد ضحية له، ولهذا فإن قيمة التضحية فيه ليست قيمة عاطفية، بل ضرورة وجودية، فكل مشروع تحرري في التاريخ احتاج إلى رجال ونساء دفعوا أثماناً باهظة لكي تبقى الفكرة حيّة.

وقد بقيت لحظة اغت.يال واستشهاد القائد صدام حسين، التي تزامنت مع صبيحة عيد الأضحى، واحدة من أكثر اللحظات الرمزية حضوراً في الوعي العربي المعاصر، حيث بقي مشهد رجل يواجه الموت بثبات ويتمسك بهويته وخطابه حتى اللحظة الأخيرة، صورة مكثفة لمعنى التمسك بالموقف أمام الفناء، وهنا يتحول العيد مرة أخرى من مناسبة دينية إلى سؤال أخلاقي: ماذا يبقى من الإنسان حين يُجرّد من كل شيء إلا موقفه؟ ليمثل لحظة مكثفة لمعنى التمسك بالهوية واليقين والكرامة أمام آلة الهيمنة والانكسار. إن الأمم لا تتجدد بالذاكرة وحدها، بل بالقدرة على تحويل الذاكرة إلى وعيٍ تاريخي، ولذلك فإن أخطر ما يهدد الأعياد هو أن تتحول إلى طقوس استهلاكية فارغة، منفصلة عن المعنى، فالأضحية ليست كمية اللحم التي توزع، بل مقدار الاستعداد للتخلي عن الأنانية لصالح الإنسان، والوطن، والحق، والعدالة؛ وفي عالمٍ باتت تقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك لا بما يؤمن به، تأتي الأضحية لتعيد ترتيب المعنى من جديد، فهي ليست احتفاءً بالذبح، بل تمرداً على عبودية المادة، وتذكيراً بأن الإنسان أكبر من استهلاكه، وأسمى من غرائزه، وأن المجتمعات التي تفقد استعدادها للتضحية تتحول تدريجياً إلى جماعات خائفة، تبحث عن السلامة ولو على حساب الكرامة والحق.

ولعل أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر اليوم ليس الفقر المادي فقط، بل تضخم النزعة الفردية التي جعلت الإنسان أسيراً لذاته ومصالحه وخوفه الشخصي، ومن هنا تأتي الأضحية بوصفها ثورة أخلاقية ضد عبادة الأنا، وتذكيراً بأن المجتمعات لا تُبنى بالأنانيين، بل بأولئك القادرين على تقديم شيء من ذواتهم من أجل الآخرين؛ كما يتجلى المعنى الإنساني الأعمق للأضحية اليوم في قدرة الإنسان على مشاركة الآخرين آلامهم قبل أفراحهم، ففي زمن الح.روب والنزوح والفقر، لا تصبح الأضحية مجرد شعيرة فردية، بل فعلاً اجتماعياً يعيد ترميم معنى التكافل والرحمة داخل المجتمع، فالأمم لا تحيا بالقوة وحدها، بل بقدرتها على حماية الضعفاء، ومواساة المنكسرين، وإبقاء المعنى الإنساني حياً وسط عالم يزداد قسوة وتوحشاً. وفي زمن تتسع فيه الفجوة بين القيم والمصالح، وبين الإنسان ومعناه، يصبح عيد الأضحى دعوةً لإعادة اكتشاف جوهر الرسالات السماوية، وأن الإنسان خلق ليكون حراً، كريماً، منحازاً للحق، قادراً على التضحية من أجل ما يؤمن به، ولهذا فإن الأمة العربية، وهي تواجه واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية تعقيداً، ليست بحاجة إلى استدعاء الماضي بوصفه بكائية، بل بوصفه طاقة نهوض؛ فكما انتصر سيدنا إبراهيم عليه السلام للإيمان على الخوف، وكما سعت هاجر للحياة وسط الصحراء، وكما ظل الشهداء في تاريخ الأمة العربية يؤكدون أن القيم لا تموت بالمشانق والسجون والح.روب، فإن المستقبل أيضاً لن يُبنى إلا بالتضحيات الكبرى، وبالإيمان العميق بأن الأمة العربية التي تمتلك معنى التضحية لا يمكن أن تهزم نهائياً، مستلهمين ذلك من قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رجالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

ولذلك لم يكن غريباً أن يربط القرآن الكريم بين الأضحية والتقوى، لا بين الدم واللحم، حين قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ (الحج: 37)، فالرسالة الحقيقية للأضحية ليست ما يُذبح على الأرض، بل ما يتحرر داخل الإنسان من خوفه وأنانيته وضعفه، وبالتالي فعيد الأضحى، في جوهره الحقيقي، ليس عيد الذبح، بل عيد الإنسان حين ينتصر لما هو أكبر من ذاته، فالأمم لا تقاس فقط بما تملكه من قوة، بل بما تملكه من استعداد للتضحية دفاعاً عن حقيقتها، وحين تفقد الشعوب قدرتها على الفداء، تفقد بالتدريج قدرتها على صناعة التاريخ، أما حين يبقى فيها من يؤمن بأن القيم أغلى من العمر نفسه، فإنها—حتى في لحظات الانكسار—تظل أمة قابلة للنهوض من جديد. ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا تمر مرور الكرام، إنها لحظات تختصر سنين، وتضيء أجيالاً، وتتحول من حدث عابر إلى معنى دائم، تلك هي “اللحظة الخالدة” المتمثلة في لحظة سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو يمد يده لذبح فلذة كبده، ولحظة سيدنا إسماعيل عليه السلام وهو يقول “افعل ما تؤمر”، ولحظة هاجر عليها السلام وهي تسعى بين الصفا والمروة، ولحظة الشهيد عمر المختار، والشهيد صدام حسين وهما يواجهان الجلادين بعزة الموقف؛ فهذه اللحظات لا تموت لأنها لم تكن مجرد أفعال، بل كانت مواقف، والفعل يموت بانقضاء زمنه، أما الموقف فيخلد في وجدان الأمة العربية. رحم الله الشهداء، وأدام على الأمة العربية وحدتها وعزتها وكرامتها، وكل عام والأمة العربية بخير.

#عيد_الأضحى #فلسفة_التضحية #الأمة_العربية #معنى_الفداء #اللحظة_الخالدة #كرامة_الأمة #شهداء_الوطن #صحيفة_الهدف #السودان_اليوم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.