شهادة: زينب حاج بليل.. السرد في زمن صعب

صحيفة الهدف

ندى أوشي
حين بدأت زينب حاج بليل الكتابة، لم يكن المشهد الثقافي السوداني مهيأً تمامًا لاستقبال امرأة تدخل عالم السرد والنقد والمسرح بثقة ومعرفة. كان المجال الأدبي، مثل أغلب الفضاءات العامة آنذاك، محكومًا بصوت ذكوري كثيف، تُقاس فيه موهبة المرأة غالبًا بقدرتها على الصمود لا بقدرتها على الإبداع. لذلك فإن أهمية زينب لا تتعلّق فقط بما كتبته، بل بالزمن الذي كتبت فيه، وبالطريقة التي شقّت بها طريقها وسط واقع اجتماعي وثقافي شديد الصعوبة.
ولدت زينب حاج بليل الزين في السابع من مارس عام 1947 بمدينة سنجة، المدينة التي منحتها مبكرًا حساسية الإصغاء للحكايات الشعبية وإيقاع الحياة السودانية البسيطة. هناك، وسط الذاكرة الشفاهية وإحجيات الجدّات، بدأت علاقتها الأولى بالسرد. وكانت جدتها تفتتح الحكايات بعبارتها الشهيرة “حجيتكم ما بجيتكم، خيرًا جانا وجاكم”، وهي العبارة التي بقيت كأنها المفتاح الأول لعالمها الروائي.
بدأت موهبتها في المرحلة الوسطى، حين أثنى معلّم اللغة العربية على موضوع إنشائي كتبته، وقال لها إنها ستكون امتدادًا للروائية ملكة الدار محمد، دون أن تعرف الطفلة وقتها من تكون ملكة الدار. لكن تلك النبوءة الصغيرة ظلت ترافقها حتى أصبحت واحدة من أبرز الأصوات النسائية في السرد السوداني.
انتقلت لاحقًا إلى الخرطوم، حيث حصلت على دبلوم معهد تدريب المعلمات، ثم تخرّجت في كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان، متخصّصة في النقد والدراسات المسرحية، كما نالت دبلومًا عاليًا في الدراسات الإنسانية. وعملت معلّمة للغة الإنجليزية في المرحلة المتوسطة، قبل أن تتجه إلى العمل الإعلامي والثقافي.
وفي وقتٍ كان حضور المرأة في الإعلام الثقافي محدودًا، استطاعت زينب أن تصنع مكانتها بهدوء وثبات، عبر إعداد وتقديم برامج إذاعية مهمّة، من بينها (منتدى القصة) بإذاعة الخرطوم، و(كن جميلًا) بالإذاعة الطبية، و(كلام سوداني)، و(كتاب ومؤلّف)، إضافة إلى إعداد حلقات مسلسل (الخرطوم والناس) بالإذاعة القومية، وبرنامج (من المسرح العالمي). ولم تكن تلك البرامج مجرد عمل إذاعي، بل مساحة حقيقية لتقديم الأدب والنقاش الثقافي لجمهور واسع.
كما لعبت دورًا بارزًا في الحياة الثقافية السودانية، من خلال رئاستها لمنتدى السرد والنقد، ورئاسة منظمة نساء السودان لمحاربة الفقر، إلى جانب عضويتها في اتحاد الكتاب السودانيين، ورابطة الأديبات، وأمانة السرد باتحاد الأدباء السودانيين، وعضويتها في عدد من لجان التحكيم الثقافية، منها جائزة الطيب صالح للشباب ومنافسات القصة القصيرة باتحاد جامعة الخرطوم وإذاعة الخرطوم.
غير أن ريادتها الحقيقية لم تكن في المناصب، بل في طبيعة الدور الذي لعبته داخل الثقافة السودانية. فقد كانت من أوائل الكاتبات السودانيات اللواتي جمعن بين الرواية والنقد والعمل الإذاعي والمسرحي، وأسهمت في خلق مساحة حقيقية للأصوات الجديدة عبر منتدى السرد والنقد، الذي تحوّل إلى منصة لتشجيع الكتّاب الشباب ومناقشة أعمالهم بجدية واحترام.
ولهذا ارتبط اسمها عند كثير من الأجيال بصورة “الأم الثقافية”، حتى أطلق عليها بعض الكتّاب لقب “ماما زينب”، ليس مجاملة، بل تقديرًا لدورها الإنساني والثقافي في احتضان المواهب الجديدة. كانت تؤمن أن الثقافة ليست مجالًا للسلطة أو الاستعلاء، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المعرفة والناس.
أما تجربتها الروائية، فقد جاءت منحازة للإنسان السوداني البسيط والمهمش. ففي روايات مثل (الاختيار) الصادرة عام 1984، و(كش ملك)، و(نبات الصبّار) الصادرة عام 2011، و(حاملات القرابين أو رحلة عبور من هناك إلى هنا وبالعكس) الصادرة عام 2016، بدت زينب مشغولة بأسئلة الإنسان الداخلية أكثر من انشغالها بالحدث الخارجي. كانت تكتب عن القهر والصبر والعزلة والنجاة، بلغة هادئة وعميقة، بعيدة عن الضجيج البلاغي.
كما كتبت المسرح، وقدّمت مسرحية (نكون أو لا نكون) تأليفًا وإخراجًا، ونالت جائزة الدولة للنصوص الدرامية عام 1975 عن نص (المحاكمة)، إضافة إلى جائزة الشهيد الزبير للإبداع والتميز العلمي عن رواية (نبات الصبّار).
وفي أحاديثها الأخيرة عن الحرب السودانية والمنفى، بدا صوتها أكثر حزنًا وصدقًا. كانت تتحدّث عن البيت والأشجار التي زرعتها، وعن خوفها من الموت بعيدًا عن السودان، كما لو أنها تتحدّث عن فقدان جزء من روحها نفسها. ومع ذلك، ظلت تحتفظ بذلك الهدوء الإنساني الذي يميزها، وبإيمانها القديم بأن الكتابة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال مقاومة الخراب.
لقد كتبت زينب حاج بليل في زمنٍ لم يكن يمنح المرأة الاعتراف بسهولة، واستمرت في زمنٍ أكثر قسوة واضطرابًا، لكنها استطاعت أن تفرض حضورها بالمعرفة والصبر والعمل الطويل، لا بالصخب. ولهذا تبدو تجربتها اليوم جزءًا أصيلًا من الذاكرة الإبداعية السودانية؛ ذاكرة امرأة آمنت بالحكاية، وعاشت عمرها كله وهي تمنحها للآخرين بمحبّة نادرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.