أ.د.أبشر حسين
“يوم الحارة الزول بلقى أخو” ليست مجرد أغنية، وإنما حالة وجدانية كاملة، كأنها تستدعي داخل الإنسان ذلك الحنين القديم إلى الجماعة، إلى الدفء الإنساني حين تضيق الحياة، وإلى لحظة يذوب فيها الفرد داخل الجمع دون خوف أو تكلّف.
بعض الأغنيات لا تُسمع بالأذن فقط، بل تُستقبل بشيء أعمق، كأنها تلامس طبقات خفية من الذاكرة والمشاعر؛ لذلك شعرتَ أنها “تمثّلني” رغم اختلاف البيئة التي خرجت منها. فالفن الحقيقي يتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، ويصل مباشرة إلى الإنسان.
وأنا أندهش بالوازا، شعرتُ أن الأمر لم يكن مجرد سماع موسيقى لأول مرة، بل كان اكتشافًا لعالم كامل ظل بعيدًا عن مركز الضوء السوداني..
الرحلة نفسها تحمل طابعًا ملحميًا؛ الوصول إلى قيسان بعد المسير من الدمازين في طوف للجيش يقوده صديقي الكومندان جيمس توت قلوال، فارس من فرسان العصور الوسطى، ثم الاستقبال الحميم من عيسى وعبد القادر، وبعدها الدخول مباشرة إلى احتفال (عيد الحريق)، وكأنك انتقلت من جغرافيا إلى جغرافيا أخرى داخل السودان نفسه.
كانت دهشتي الأولى أمام موسيقى الوازا تشبه دهشة من يكتشف أن للإيقاع قدرة على توحيد البشر أكثر من اللغة. ذلك التدرّج البديع في أحجام آلات النفخ، من الصغير إلى الكبير، لم يكن مجرد تنويع صوتي، بل كان أشبه بسُلّم عمري وروحي؛ تبدأ الموسيقى بالأطفال وتنتهي بشيخ تجاوز الثمانين، كأن المجتمع كله ينفخ في لحن واحد. وكل عازف يحمل آلته وينقر بعصوين صغيرتين لضبط الإيقاع، فيجمع بين النفس والضرب، بين الهواء والأرض، فتخرج الموسيقى مرتبطة بحركة الجسد، لا منفصلة عنه.
ولعل أجمل ما في الوازا أنها لا تترك أحدًا متفرجًا. فالجمهور نفسه يتحوّل إلى جزء من الأوركسترا الشعبية؛ الراقصون، وحركة الأقدام، وانحناءات الأجساد، والتصفيق، والهتافات.. كلها تصبح عناصر موسيقية موازية. لذلك شعرتُ أنني تعلّمت سريعًا “لغة التواصل” مع المجموعة عبر الرقص والإيقاع، لأن هذا النوع من الفن لا يحتاج إلى ترجمة، بل إلى اندماج وجداني.
ومن المدهش فعلًا ذلك التشابه الذي لاحظته بين الإيقاع وبعض موسيقى أمريكا الجنوبية. فكثير من الثقافات الإفريقية، خاصة ذات الإيقاعات الجماعية والرقصات الدائرية، عبرت المحيط مع الهجرات القديمة والعبودية، ثم أعادت تشكيل موسيقى العالم الجديد: السامبا، والرومبا، واللاتين جاز، وغيرها. لذلك حين تسمع الوازا تشعر أحيانًا أن إفريقيا كلها تتحدث بصوت واحد، حتى يصل صداها إلى البرازيل والكاريبي.
أما تلك العبارة: “أبا موسى متين جيتا من الغربة، سلام عليك” في إحدى أغنيات الوازا، فهي تكشف التمازج العجيب بين الجذر الإفريقي والظل العربي الإسلامي في تلك المناطق. فحتى المجتمعات ذات السحنة الإفريقية الخالصة حملت أثر العربية في الغناء والمفردات والوجدان، لا بوصفها ثقافة وافدة فقط، بل كجزء من تاريخ التعايش والتصوف والتجارة والهجرات القديمة.
إن ثقافات المجموعات خارج منطقة الوسط السوداني كثيرًا ما بقيت حبيسة مناطقها، ولم تُمنح المساحة الكافية لتصبح جزءًا من الوعي القومي العام. وهذه واحدة من مآسي السودان الثقافية؛ فالمركز ظل طويلًا يقدّم السودان من زاوية واحدة: غناءً، ولهجةً، وإيقاعًا، وصورةً، بينما بقيت كنوز مثل الوازا، والنقّارة، والمردوم، والجراري، والدليب، وغيرها، معروفة داخل حدودها الجغرافية، وعندما يصل صداها إلى الوسط يكون ذلك في شكل فرق مختصرة للفنون الشعبية.
ولو أُتيح لهذه الفنون أن تُقدَّم كما ينبغي، لكان السودان من أغنى بلدان العالم موسيقيًا؛ لأنه ليس بلد ثقافة واحدة، بل قارة صغيرة من الإيقاعات واللغات والذاكرات. وربما لهذا السبب كانت تجربتي مع الوازا مؤثرة إلى هذا الحد؛ لأنها لم تكن مجرد استماع إلى موسيقى، بل اكتشافًا لوجه آخر من السودان..
وجه ظل بعيدًا عن الضوء، لكنه ممتلئ بالحياة والإنسانية والفرح البدائي النبيل.

Leave a Reply