ليلى صلاح
الكباري والجسور في (رشموند) لا تبدو كأشياء صُنعت فقط لعبور الناس، بل كاختبارات نفسية معلّقة فوق الهواء.
مرّة، وأنا أعود بعد توصيل أحد الطلاب، وجدتُ نفسي فجأة أمام كبري أخضر، غريب بصورة غير مريحة، كأنه لم يُبنَ، بل نبت وحده في الليل. ظهر أمامي ممدودًا، صامتًا، وموحشًا بطريقة جعلتني أبطئ السرعة دون وعي، وأفكر للحظة أن هذا بالضبط هو نوع الأبواب التي دخلتها أليس، ثم لم تعد بعدها كما كانت، حين وجدت نفسها فجأة في بلاد العجائب.
تردّدتُ في عبوره، ليس خوفًا منه وحده، بل خوفًا من فكرة أن بعض الطرق لا تعيدنا إلى النسخة نفسها منّا أبدًا. المهم، تبسملتُ وردّدتُ بعض الآيات، وعبرت وأنا أرتجف فعلًا.
بعد أيام حاولتُ أن أعود إليه. كنت أريد أن أتأكّد أنه حقيقي، وأنني لم أتخيله تحت تعب الطريق ووحدة القيادة، لكن الكبري اختفى، كأنه أدى مهمته وعاد ليختبئ داخل الأسطورة من جديد.
الجسور في رشموند عالية بصورة مرهقة، وهذه قصة أخرى تمامًا. أنا أصلًا لديّ رعب قديم من الأماكن الضيقة: المصاعد الطويلة، والغرف التي بلا نوافذ، والأشياء التي تشبه الأفخاخ الصغيرة المهذبّة. لكن رعب الأماكن المرتفعة.. هذا جديد عليّ. رشموند اخترعته داخلي فجأة.
حين تبدأ السيارة في صعود أحد تلك الجسور، يتحوّل الطريق تدريجيًا إلى شيء يشبه المدرّج الجوي، وهنا تبدأ مشكلتي الأخرى: فوبيا الطيران. ذلك الرعب غير المنطقي الذي يجعلني أصدق دائمًا أن الحديد لا يليق به التحليق، وأن البشر أخذتهم الثقة بأنفسهم بعيدًا أكثر مما ينبغي.
وأنا أصعد فوق الجسر، كانت الفكرة تكبر داخلي بوضوح مرعب: أن السيارة، في لحظة ما، ستتوقّف عن كونها سيارة، وأن الجسر لن يكتمل، وأننا، أنا والسيارة وكل أفكاري القديمة، سنواصل الصعود وحدنا في الهواء.
حقيقي، عندما وصلتُ إلى أعلى نقطة في الجسر، شعرتُ بأنني أقود باتجاه السماء مباشرة، لا باتجاه الضفة الأخرى.
الغريب أن جزءًا مني كان خائفًا جدًا، وجزءًا آخر مفتونًا بالكامل، كأن الإنسان لا يخاف فعلًا إلا من الأشياء التي توقظه على حجمه الطبيعي.
غايتو يا رشموند، ما مسامحاكِ على الدخّلتيها فيني.
والسؤال الآن: ماذا عليّ أن أفعل إذا اتضح أنه لا يوجد أصلًا كبري أخضر في المدينة؟

Leave a Reply