- التحكيم رسالة للسلام والتسامح في السودان
- مباريات الدرجة الثالثة الأشد قسوة، والتحكيم علم يحتاج للشجاعة واللياقة وإتقان اللغات الأجنبية
- نجومنا يفرضون هيبتهم إقليمياً ودولياً رغم قسوة النزوح واللجوء وتبعات الحـ.رب
يُعد الحكم القومي إبراهيم عوض الكريم إسماعيل، الشهير بـ“سنارية”، واحداً من الأسماء الشابة الطموحة في مجال التحكيم الرياضي السوداني. انضم إلى اتحاد الخرطوم المحلي لكرة القدم عام 2018م بعد تجربة لافتة في إدارة المباريات الودية، أبرزها مباريات الهلال بالجوهرة الزرقاء، قبل أن يتم اختياره للكشف القومي في العام 2021م.
وينحدر سنارية من ولاية النيل الأبيض، مدينة الدويم (قرية عريك)، ويقطن بمنطقة الفتح (2)، ويُعد من أبرز الوجوه التحكيمية هناك. ويجمع بين العمل التربوي والتحكيمي، إذ يعمل معلماً للغة العربية للمرحلة الثانوية، ويحمل درجة الماجستير في اللغات من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، إلى جانب مشاركاته في الدورات التحكيمية ومنافسات الدوري المحلي وكأس السودان.
في هذا الحوار، يتحدث سنارية عن بداياته، وأبرز محطات مسيرته، ورؤيته لواقع التحكيم السوداني، ودور الرياضة في صناعة السلام خلال الحـ.رب.
حوار: عبدالمنعم أحمد مختار
في البداية، كيف كانت علاقتك بكرة القدم، ومتى اكتشفت شغفك الحقيقي بعالم التحكيم؟
أهلاً وسهلاً أستاذ عبدالمنعم أحمد مختار. بدايتي مع كرة القدم كانت كأي طفل سوداني؛ من الحي والدورات المدرسية، وكنت ألعب في وسط الملعب كلاعب ارتكاز خلال معظم فترات حياتي. لكن عدم استمراري كلاعب كان بسبب حرص والدي — عليه رحمة الله — على اهتمامي بالدراسة، خاصة في المرحلة الثانوية، إذ كان يرفض أي نشاط يشغلني عن التعليم.
أما التحول إلى مجال التحكيم، فكان بتوجيه من سكرتير رابطة الفتح الغربية، عمنا الشيخ ود الصول — عليه رحمة الله — حين كنت ألعب في فريق إشبيلية. أتذكر أنني كنت كابتن الفريق في إحدى المباريات التي شهدت أحداثاً أدت إلى توقفها أكثر من مرة، فتعاونت مع حكم المباراة حتى استُكملت بصورة طبيعية. بعد اللقاء قابلني ود الصول وقال لي: “الشخصية التي تحملها هي شخصية حكم أكثر من كابتن فريق، وأتمنى أن أراك يوماً قاضياً للملاعب.”
بعدها بدأت فعلياً في المجال، وساعدني صديقي الحكم القومي وليد الطيب البزعي، ثم خبراء التحكيم أمثال الدولي أيمن حمد النيل والأستاذ الشابي، وكل من وقف معي من مراقبين ومحاضرين وزملاء. وأتذكر أن أول مباراة أدرتها بعد تسجيلي باتحاد الخرطوم أخبرت بها عمنا ود الصول، فحضر المباراة وقال لي بعدها: “لقد تحققت نبوءتي.”
تم اختيارك للانضمام إلى سلك التحكيم بعد إدارتك للمباريات الودية لفريق الهلال بالجوهرة الزرقاء، كيف تتذكر تلك المرحلة؟
أتذكر أنني كنت أدير مباراة في رابطة الثورة الحارة (12) الفردوس، ومعي الحكمان مهدي ويحيى خريف، وبعد نهاية المباراة صافحني الكوتش فوزي المرضي — عليه الرحمة والمغفرة — وأخبرني بوجود مباراة ودية للهلال أمام النسور الأم درماني، وطلب مني الحضور لإدارتها.
كنت وقتها في بداياتي، ولا أستطيع وصف سعادتي. إدارة مباراة يكون أحد طرفيها الهلال، حتى وإن كانت ودية، كانت بالنسبة لي أكثر من حلم. تلك الليلة أخبرت كل من قابلني، وأخبرت أسرتي، ولم أنم حتى الصباح من شدة الفرح.
الحمد لله وُفقت في إدارتها، وبعدها أتيحت لي الفرصة مراراً لتحكيم مباريات كبرى لأطراف القمة، واستفدت كثيراً من تلك التجارب، وأدركت أن الشخصية هي أساس العملية العدلية داخل المستطيل الأخضر، وليست القوانين واللوائح فقط.
تدرجت من الدرجة الثالثة حتى الأولى ثم وصلت إلى الكشف القومي عام 2021م، ما أبرز التحديات التي واجهتك؟
بصراحة، أصعب المباريات في حياتي المهنية كانت مباريات الدرجة الثالثة، وربما يعود ذلك لعدة أسباب، أبرزها التعصب الأعمى لبعض الجماهير، إضافة إلى حداثة تجربتي آنذاك، وهي مرحلة تحتاج إلى بناء شخصية قوية قادرة على حسم المواقف الصعبة.
هذا لا يعني أن بقية المباريات سهلة، لكن كرة القدم تبقى ميداناً للإبداع في كل مراحله. وكما يجد اللاعبون صعوبة في إحراز الأهداف أو حماية مرماهم، فإن الحكام أيضاً يواجهون صعوبات قد لا يشعر بها المشجع العادي.
ما الصفات الأساسية التي يجب أن يتحلى بها الحكم الناجح؟
أولاً المعرفة الجيدة بقوانين اللعبة، ثم اللياقة البدنية العالية والمحافظة عليها، إلى جانب الشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار. كما يحتاج الحكم إلى ثقافة واسعة ومعرفة ببيئة المباراة والمجتمع المحيط بها، وهذا يتطلب تثقيفاً ذاتياً مستمراً.
حدثنا عن أول مباراة لك في كأس السودان بين أهلي أرقو وود نميري دنقلا؟
هذه من المباريات الخالدة في ذاكرتي. أتذكر أنني تعلمت عشرات العبارات باللغة المحلية لأهل المنطقة، وساعدني في ذلك الحكمان القوميان كمال مختار ويحيى بابكر خريف، لأن معظم اللاعبين كانوا يتحدثون بلغتهم المحلية. المباراة كانت صعبة للغاية، خاصة أنها إقصائية، لكن بحمد الله نجحنا في إخراجها إلى بر الأمان رغم الشحن الزائد وحساسية اللقاء وتعصب الجماهير.
كيف يوازن الحكم بين الحزم وروح اللعب النظيف؟
شخصية الحكم هي الأساس في العملية التحكيمية. قد يستطيع البعض بناء شخصية قوية وإدارة المباريات بصورة جيدة، لكن الموهبة الحقيقية تكمن في القدرة على تحقيق التوازن بين ضبط المباراة والمحافظة على الروح الرياضية، وهذه مهارة يمنحها الله للحكم الموهوب.
كيف ترى واقع التحكيم السوداني اليوم؟
أعتقد أن القائمين على أمر التحكيم يقومون بأدوار تستحق التقدير، رغم محدودية الإمكانيات. لكن مع التطور الكبير في كرة القدم، يحتاج التحكيم السوداني إلى مواكبة أكبر، خاصة في الجانب التقني، حتى يستطيع الحكم السوداني منافسة أقرانه في المنطقة. أما بالنسبة للحكام الشباب، فنصيحتي لهم هي الصبر ثم الصبر، لأن التحكيم أصعب أقسام كرة القدم، والحكم يظل دائماً تحت دائرة الضوء والتركيز.
كيف أثرت الحـ.رب في السودان على النشاط الرياضي والتحكيمي؟
قبل الحديث عن هذا الجانب، أرفع القبعات لزملائي الموجودين في كل بقاع الوطن، الذين يواصلون خدمة الرياضة رغم الظروف الصعبة، كما أترحم على من فقدناهم خلال هذه الفترة بسبب القـ.تل والقـ.صف.
التحكيم جزء من القطاع الرياضي، وبالتالي يتأثر بالبيئة المحيطة. ومن هنا أوجه رسالة للمسؤولين بضرورة الاهتمام بمشروعات الشباب، والشروع في خدمات البنية التحتية بمناطق مثل الفتح.
إلى أي مدى أثرت الحـ.رب على الكفاءات التحكيمية السودانية؟
رغم ظروف النزوح والهجرة واللجوء، استطاعت شخصيات تحكيمية سودانية فرض وجودها إقليمياً ودولياً، مثل الدوليين محمود شانتير ومحمد عبد الله نيالا وعبدالعزيز وشطة وعمر، وهو أمر يدعو للفخر. كما أهنئ زملائي الذين حملوا الشارة الدولية حديثاً، مثل أبوبكر ود الجوامعة وعمر سليمان وعمرو، وأتمنى لهم التوفيق، وأن نعود جميعاً للعمل الرياضي مع عودة الاستقرار.
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الرياضة في تعزيز التآخي ونبذ الكراهية؟
ظلت الرياضة دائماً رسالة للمحبة والسلام والتآخي. وفي الظروف الحالية يقع على الرياضيين دور كبير في إزالة آثار الحـ.رب من الوجدان السوداني. وأرى أن الصرف على المنافسات الرياضية والمحافظة على استمراريتها لا يقل أهمية عن دور الأجهزة الأمنية، فكلاهما يسعى لتحقيق الاستقرار ولكن بوسائل مختلفة.
هل يمكن أن تكون الرياضة جسراً للسلام والأمن المجتمعي؟
بالتأكيد. الرياضة ظلت دائماً قادرة على جمع السودانيين بمختلف لهجاتهم وثقافاتهم وعاداتهم في تنافس شريف بعيد عن الجهوية والعنصرية، وبالتالي فهي تسهم في تقوية النسيج الاجتماعي لكل ربوع الوطن.
أخيراً.. ما الرسالة التي تود توجيهها للحكام الشباب والرياضيين السودانيين؟
أنصح الحكام الشباب بالاهتمام باللغات الأجنبية، لأنها نقطة تميز مهمة وتساعد على الوصول سريعاً إلى المنافسات الدولية، إلى جانب الاهتمام بالتأهيل والتدريب والثقافة الرياضية.
أما الرياضيون عموماً، فأعتقد أن مسؤولية بناء الوطن وإعادة تعميره تقع على عاتق الجميع، ونبذ التعصب سيساعد في بناء مجتمع متسامح يرفض الجهوية والعنصرية ويفتح أبواب المحبة والسلام. وفي الختام، أشكر صحيفتكم المميزة، وأتمنى لكم التوفيق والسداد.
#صحيفة_الهدف #الهدف #ملف_الهدف_الرياضي #إبراهيم_سنارية #التحكيم_السوداني #قضاة_الملاعب #اتحاد_الخرطوم #نادي_الهلال #الجوهرة_الزرقاء #كأس_السودان #الدويم #منطقة_الفتح #حـ.رب_السودان #أخبار_السودان #السودان #السودان_2026 #لا_للـحـ.رب #مقـ.تل #قـ.تل #حوارات_الهدف #الروح_الرياضية #المقاومة_المدنية #محمود_شانتير #محمد_عبدالله_نيالا

Leave a Reply