لبنان لا ينتصر ولا يتماسك ولا يردع عدواً إلّا بوحدة أبنائه ودخولهم في الوطن

صحيفة الهدف

عمر شبلي

لن ينتصر لبنان أبداً في أي موقع سياسي أو عسكري حتى ولو امتلك أعتى الأسـ.ـلحة وأشدها فتكاً، ما لم يكن موحداً حول مفهوم كيانه ومصيره. لبنان ليس جغرافية فقط؛ هو إنسان ورؤية قبل أي شيء.
الجغرافية لا يمكن أن تتحقق في الخرائط المرسومة في كتب الطلاب في المدارس ولا في الخرائط الرسمية المقدمة للأمم المتحدة. الجغرافية الحقيقية للوطن تبدأ في الإنسان قبل كل شيء، تبدأ بانتمائه الفكري والروحي والعضوي لمكان تكوّن من ترابه وتاريخه وثقافته وحتمية مصيره الموحد والإيمان بوحدته كالإيمان بالله نفسه. نعم يجب أن يكون الوطن ديناً يستحق العبادة، وصدق من قال:
لو مثّلوا لي وطني وَثَناً
هَممتُ أعبدُ ذلك الوثنا

الأنبياء يبكون حين يخسرون أوطانهم، ويفارقونها، ومحمد رسول الله بكى يوم غادر مكة ليلاً، وقال: “الله يا مكةُ ما أطيَبَ ريحَكِ، والله لولا أخرجني أهلك ما خرجت أبدا”.
المكان هو المشيمة الأولى لتكوين الإنسان ولذا يجب أن يكون الكفنَ أيضاً، وهو إنسانه بين المشيمة والكفن. هو أعضاؤنا وثقافتنا وذكرياتنا، ويزول بناء الوطن بزوال هذه المكوِّنات. ورائعٌ قول الشاعر ابن الرومي:
ولي وطنٌ آلَيتُ ألّا أبيعهُ
وأن لا أرى غيري له الدهرَ مالكا
وحَبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ
مآربُ قضَاها الشّبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانَهم ذَكَّرتْهمُ عهودَ الصبا فيها فحنُّوا لذلكا

الوطن يحرسه ويدافع عنه الوعي قبل السـ.ـلاح، لقد جعل مثقفو لبنان الأوائل جغرافية لبنان أوسع جغرافية في العالم، فقد كانت فقرات من كتاب النبي لجبران خليل جبران تُرَتَّلُ في الكنائس الأمريكية كما ذكر ميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران خليل جبران، وحب الوطن الواعي جعل رائداً ثقافياً مثل مارون عبود يقول: “ابن مارونَ سميٌّ للنبي” لقد كان اسم ابنه محمد مارون، وقال فيه:
أمُّهُ ما وَلَدَتْهُ مسلماً
أو مسيحياً ولكنْ عربي
نعم، لبنان عربي الوجه واليد واللسان، عربي الهوى والمنى، عربي المكان. ولكن على اللبناني أن يكون لبنانياً أولاً ليكون عربياً، لبنانيتي الصادقة الولاء والانتماء هي التي تحدد جوهر عروبتي. وبغير صدق لبنانيتي تنتفي عروبتي مهما ادعيت.
لبنان هو لبنان، هو ليس إيرانياً ولا أمريكياً ولا أي مسمىً آخر، وهو ليس إلّا لبنان، وعروبته امتداد للبنانيته. وعلى الجميع أن يدركوا هذا. وعلى الآخرين أن يدركوا أن قرار لبنان لن يكون بيد أحد إلّا بيد لبنان.
وعلى المستوى اللبناني يجب الإقرار والاعتراف بوضوح بأن الطائفية والمذهبية هي مشاريع سياسية تغطى بالدين ليسهل تنفيذها عبر الغرائز التي توقظ في النفوس. إن إعلان التمسك بحقوق الطوائف والمذاهب هو غاية الكذب وهو أنأى ما يكون عن الطائفة أو المذهب. إن أخطر وأقذر ما في السياسة هو تغطيتها بالدين والمذهب، وقد استغل هذا عبر التاريخ للنفوذ السياسي ونهش جسد الوطن الواحد الموحد في الوعي والثقافة. إن السياسيين يذبـ.ـحون الوطن باسم الدين والمذهب، ولذا يكون الوطن في خطر عندما يوضع في أيدي السياسيين، يقول ديغول: “لقد جئت إلى استنتاج مفاده أنّ السياسة هي مسألة خطيرة جداً أن تُترَك للسياسيين”. وهذه حقيقة فحين تستمع إلى تجار المذاهب السياسيين تشعر بالهبوط والقرف والتدنّي، وأخطر ما يلجأ إليه السياسيون تجار الطوائف والمذاهب؛ هو جعلهم طبقة من بعض رجال الدين تحت أوامرهم وبتصرفهم لتعميق الغرائز المذهبية والطائفية بالمال والمناصب. وحين يُشترى بعض رجال الدين بالمال لتعميق التطرف المذهبي والطائفي يصبح الدين نفسه في خطر. وقد أثبت التاريخ الإنساني عبر مراحله الطويلة أن السياسة والدين لا يتوافقان أبداً ولسنا بحاجة لضرب أمثلة من تاريخنا الإسلامي وما فعل خضوع الدين للسياسة، ولا لحرب المئة عام في أوربا.
الدين يجب أن لا يتلوث بالسياسة وعليه أن يظل نقياً خالصاً للخير وحده وتعميق الأواصر بين البشر. على الدين أن لا يتدخل في السياسة، ولعل ما نراه اليوم هو أوضح دليل على ما نذهب إليه.
لا بد من لبنان واحد قائم على وحدة أبنائه، لا بد من رفض تسخير الطائفة والمذهب لخدمة السياسة والساسة.
وكما قلتُ في هذا:
مصالح الناس أعلى من مبادئهمْ
وقسوة الصدق تدعوهم إلى الكذب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.