ماجد الغوث
هل واشنطن قنعت من طريقتها القديمة أم أنها مجرد “دغمسة” لترتيب الأوراق؟
التطورات الأخيرة في ملف السودان توضح أن القصة ما عادت مجرد “عكة” داخلية بين أطراف سودانية، بل أصبحت صراع نفوذ إقليمي ودولي “عيني عينك”، دخلت فيه حسابات واشنطن، وأبوظبي، وأديس أبابا، وموسكو، والكل يريد أن يغرف من الكيكة السودانية.
أولاً: السودان ليس ملفاً منفصلاً
أي شخص يقرأ الموقف الأمريكي من غير أن يرى الحاصل في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يكون غائصاً في الرمال. واشنطن اليوم ترى المنطقة حجر زاوية ولا تقبل اللعب فيها؛ من ممرات التجارة إلى نفوذ الروس والصين وتوترات الجيران. وعشية ذلك، أي تغيير في سياسة أمريكا تجاهنا ليس لسواد عيوننا أو للديمقراطية، بل لضبط موازين النفوذ في المنطقة كلها.
ثانياً: هل بدأت واشنطن تغير بوصلتها؟
الجديد فعلاً ليس فقط في قرارات الكونغرس، بل في الشخصيات الكبيرة التي تقف وراءها. النائبتان براميلا جايابال وسارة جاكوبس تمثلان تياراً ديمقراطياً نفسُه حار تجاه ملفات حقوق الإنسان، وليس لديهما محبة خاصة للتحالفات التقليدية. وهذا مهم لأن الصراع داخل واشنطن اليوم يدور بين تيار مصلحي براجماتي، وتيار يرى أن السكوت على هذه الكوارث يمرغ سمعة أمريكا في التراب. لكن بالرغم من ذلك، يجب أن نفتح أعيننا جيداً؛ فالكونغرس شيء والسياسة التنفيذية درب آخر، وكثير من القرارات تخرج “لفش الغبينة” فقط ولا ترى النور على أرض الواقع.
ثالثاً: الإمارات واللعب الاحترافي في خطوط الدعم
الإمارات ليست غريبة على إدارة حـ.روب الوكالة، وعندها نفس طويل وقدرة عجيبة على تبديل جلودها حسب اتجاه الريح؛ من ليبيا إلى تشاد إلى أفريقيا الوسطى. وهذا يوضح أن المسألة بالنسبة لأبوظبي ليست درباً واحداً، بل شبكة ملتوية تتحرك حسب المصلحة. وإذا كانت الساحة الإثيوبية قد أصبحت حارة ومكشوفة للغرب، فإن أفريقيا الوسطى جاهزة كخيار بديل رغم وعورة دربها، والسبب طبعاً أن الروس (فاغنر أو الفيلق الأفريقي) قاعدون هناك ومضبطون للأمور.
رابعاً: فاغنر وأفريقيا الوسطى.. زواج مصلحة لا تحالف
العلاقة بين الإمارات وشبكات فاغنر ليست بالضرورة زواجاً شرعياً، لكنها تقاطع مصالح في مناطق السيولة الأمنية. في أفريقيا الوسطى، الروس هم أسياد البلد ومسيطرون على الموارد، ولذلك أي طرف يريد تمرير أي شيء لا بد أن يتمسح بهم. لقد أصبحت أفريقيا الوسطى المحطة البديلة رغم أنها خيار مكلف، وشاق، وضعيف في البنية التحتية، لكنها تمثل ستارة جيدة للتحرك بعيداً عن العيون.
خامساً: هل ستخرب أمريكا علاقتها مع الإمارات؟
هنا تكمن العقدة الحقيقية. رغم الكلام الكثير في أروقة الكونغرس، إلا أن علاقة واشنطن وأبوظبي أعمق من البحر ولا تنتهي من أجل ملف السودان فحسب. الإمارات شريك استراتيجي في ملفات الطاقة، والأمن، وضبط بعبع إيران. ولذلك، من الصعب تخيل أن واشنطن ستنفض يدها من أبوظبي؛ الأقرب للواقع هو شوية “قرص أضان” وضغوط إعلامية، ولكن من غير أن تنكسر جرة التحالف الاستراتيجي.
سادساً: السودان بين لعبة المحاور وفشل البيت الداخلي
الموجع حقاً أن السودان أصبح ملطشة لكل هذه التناقضات بسبب هشاشتنا نحن. لو كان لدينا مشروع وطني يجمع الناس، وجبهة داخلية قوية تمثل سداً منيعاً، لما تجرأ أي طرف أن يهبب ناحيتنا. لكن الشقاق الداخلي وصراع الكراسي هو الذي فتح الباب للهبوب الخارجية. وأي حديث عن مؤامرات خارجية من غير أن نتحدث عن خيبتنا الداخلية يكون كلاماً ناقصاً وناصلاً.
كلمة أخيرة
تحركات الكونغرس هذه سمحة ومبشرة، وتمثل بداية تحول في طريقة تعامل أمريكا مع الحـ.رب. لكن من الخطأ أن نراها كأنها صحوة ضمير أو نصر نهائي. السياسة الأمريكية هي مصلحة أولاً وأخيراً، وبعد ذلك تأتي المبادئ في الضل. ولذلك، يجب أن نقرأ المشهد من غير تفاؤل مفرط ومن غير سذاجة. السودان لن ينقذه الكونغرس ولا البيانات الدولية، الذي ينقذ السودان فعلاً هو قدرة السودانيين على الخروج من هذا الضيق وبناء مشروع وطني يلم الشمل وينهي هذه “الشربكة” التي جعلت بلدنا سوقاً مفتوحاً لكل من هب ودب.
#صحيفة_الهدف #الهدف #ماجد_الغوث #السودان #حـ.رب_السودان #واشنطن #الكونغرس #الإمارات #أفريقيا_الوسطى #فاغنر #القرن_الأفريقي #صراع_المحاور #السياسة_الأمريكية #المشروع_الوطني #أخبار_السودان #السودان_2026 #لا_للـحـ.رب #مقـ.تل #قـ.تل

Leave a Reply