- الحرب لعنة.. لكنها دفعتني للتمسّك أكثر بفكرة السلام
- الحل الحقيقي يبدأ من الفن والقدرة على الحلم
- المسرح السوداني حي والظروف الحالية ستمنحه لغة أعمق وأصدق
ناصر يوسف فنان سوداني متعدّد الاشتغالات، تنقّل بين المسرح والإذاعة والتلفزيون والسينما، جامعًا بين الممارسة الفنية والعمل الثقافي المؤسسي. تشكّلت تجربته من بدايات مبكرة في جنوب كردفان، وتطورت عبر مركز شباب أم درمان والمعهد العالي للموسيقى والمسرح، وصولًا إلى مشاريع إنتاجية وتجارب إعلامية وثقافية مستقلة، جعلت حضوره ممتدًا بين الخشبة والصورة والصوت والعمل المجتمعي، مع رؤية للفن بوصفه أداة للمعرفة وبناء الوعي.
حوار: عبد المنعم مختار
في هذا الحوار الخاص لـ(ملف الهدف الثقافي)، يفتح ناصر يوسف دفاتر الذاكرة والتجربة، متتبعًا مسيرته بين المسرح والإذاعة والتلفزيون والسينما والعمل الثقافي العام، وما رافقها من تحوّلات في الوعي والممارسة، وصولًا إلى تأسيس مبادرات ومشاريع فنية وثقافية ومواجهة أسئلة الحرب والنزوح، ليقدّم رؤيته للفن بوصفه فعلًا إنسانيًا يتجاوز الترفيه إلى بناء الوعي وترسيخ قيم السلام والجمال.
- قبل أن تدخل بوابة المعهد، من أين تشكّل وعيك الأول بالمسرح.. وكيف صنعت لك تجارب مركز شباب أم درمان وفرق مثل (النسيم كوميدي) إحساسك المبكّر بالخشبة والجمهور؟
– كانت البداية قبل دخولي المرحلة الابتدائية بعام تقريبًا، حين كان والدي “رحمه الله” مديرًا لمدرسة ميري الابتدائية قرب كادقلي بجنوب كردفان. أذكر مساء احتفال عيد العلم، حين بنى الطلاب مسرحًا بسيطًا من أحجار الجبل والرمال، وقدّموا عليه إسكتشًا بإضاءة بدائية من صفائح زيت وكيروسين، في تجربة قريبة من روح “مسرح البراميل” في بدايات المسرح السوداني.
شدّني المشهد دون وعي، فصعدت إلى الخشبة وقلت: “داير أسوّي معاكم”، ثم انتهى الموقف بلحظة ارتباك حين رأيت ثعبانًا قرب المسرح فصرخت، لكنها كانت أول لحظة تماس حقيقية مع الخشبة.
بعدها عدت للمسرح لاحقًا في مدرسة الفرشاية الابتدائية قرب الدلنج، ثم جاءت الانطلاقة الفعلية عام (1983) داخل مركز شباب أم درمان، حيث أسّسنا فرقة (النسيم كوميدي) مع مجموعة من الشباب: محمد الفاتح بشير، عصام حسن خلف الله، سعدية عبد السلام، الهادي يوسف، ماريا زكريا، مأمون المطبعجي، وآخرين من المبدعين. ومن هناك بدأنا تقديم إسكتشات في المدارس، وطُفنا بعد ذلك عددًا من مدن السودان، بالتوازي مع بروفات لمسرحية طويلة من تأليف محمد الفاتح بشير وإخراج خالد عبد اللطيف ساتي، وقدّمنا عروضها في مختلف الولايات. - في تلك المرحلة كانت الهواية تقودك، وهل كنت ترى نفسك ممثّلًا بالفطرة أم أن الإخراج جاء لاحقًا؟ وماذا تغيّر مع دخولك المعهد؟
– في البدايات كان التمثيل هو الأساس بالنسبة لي، ولم تكن لدي أي اهتمامات بالإخراج في ذلك الوقت، ربما لأنني لم أكن أمتلك أدواته أو مفاتيحه بعد. كنت مشغولًا بفكرة الأداء نفسه، والوقوف أمام الناس والتجريب، أكثر من أي شيء آخر. لكن مع اقترابي من الحيشان التلاتة في الإذاعة والتلفزيون والمسرح بدأت مرحلة مختلفة تمامًا. هناك اقتربت أكثر من عوالم الفن، ووجدت نفسي أمام كبار الفنانين الذين كنت أراهم لأول مرة على أرض الواقع. من أبرزهم الفنان مكي سنادة، الذي كان له أثر عميق في تكوين وعيي المسرحي منذ سنوات الدراسة بمدينة الأبيض. ولا أنسى لحظة رؤيته في المسرح القومي وهو يجلس إلى جانب أستاذ الأجيال الفكي عبد الرحمن، حينها استحضرت عرض مسرحية (خطوبة سهير) في المرحلة الثانوية، بمشاركة تحية زروق وفتحية محمد أحمد وفتحي بركية السميح. في تلك اللحظة بالذات اتخذت قراري بدخول المعهد العالي للموسيقى والمسرح، ليس فقط كمكان للدراسة، بل كمسار لصقل التجربة.
المعهد لم يكن مجرد محطة أكاديمية، بل كان حياة كاملة؛ منارة تعليم وتربية وتكوين حقيقي. هناك تعلّمت على أيدي أساتذة أكنّ لهم كل الاحترام والتقدير، مثل فتح الرحمن عبد العزيز، عمر الطيب الدوش، الطيب مهدي، صلاح الدين الفاضل، عماد الدين إبراهيم، كمال محمد عبد الله، وهاشم صديق.
ومن داخل المعهد، وبعد أن تسلّحت بالعلم والمعرفة، بدأت تتبلور داخلي رغبة واضحة في الاتجاه نحو الإخراج، باعتباره الأداة الأوسع للتعبير عن رؤيتي الفنية، رغم حبي العميق للتمثيل. فالتمثيل يمنحك القدرة على التشخيص والتقمّص، بينما الإخراج يفتح أمامك كامل أدوات العمل، من الأداء إلى الإضاءة والأزياء والإكسسوارات وبناء الصورة بكل تفاصيلها. ومن خلال هذا الوعي، ترسّخت قناعتي بأن الإخراج هو المسار الأقرب لتقديم رؤيتي الفنية كاملة. لذلك انتصر الإخراج داخلي على التمثيل، رغم أنني ما زلت أمارس الاثنين معًا حتى اليوم. - عملك في الإذاعة السودانية، هل علّمك الاقتصاد أم زاد خيالك اتساعًا؟
– يكفيني أن أقول إن (هنا أم درمان) هي أمي التي رضعت منها الكثير. ومن المعروف أن من يبدأ عمله في الإذاعة يكون أكثر صلابة ممن يبدأ من الفضائيات، رغم الفوضى الحالية التي أحدثتها الفقاعات الإسفيرية وشوّهت مفهوم الإعلام الحقيقي.
الإذاعة السودانية أسرة واحدة، رأس مالها الصدق والحب والالتزام المهني، علّمتني وربّتني وأحسنت تأديبي. على يد صلاح الدين الفاضل وعماد الدين إبراهيم تتلمذت، واستطعت تطبيق نظرية “الرؤية عبر الأذن” التي كان يؤمن بها البروفيسور صلاح الدين الفاضل.
كما لا أنسى أساتذتي معتصم فضل عبد القادر، وشاذلي عبد القادر، وعمر إسماعيل العمرابي، الذي منحني الثقة في نفسي وجعلني أؤمن بقدرتي على الإخراج. - التلفزيون القومي كان مدرسة مختلفة.. ماذا منحتك من أدوات لم تكن في حسابك؟
– كنت دائمًا أميل إلى الصورة، وكانت لدي رغبة في دراسة السينما في مصر. وخلال دراستي بالمعهد، فتح لي أستاذي الفنان د.عثمان البدوي نافذة مهمّة نحو عالم الصورة من خلال تدريسه لمداخل الدراسات التلفزيونية، ومن هنا بدأت بذرة هذا الاهتمام تنمو داخليًا. لاحقًا خضت تجربة الإخراج التلفزيوني مع عدد من الفنانين مثل كردش، وشكرا الله خلف الله، وأحمد يوسف، والراحل ربيع عبد الماجد، وتعلّمت منهم الكثير من الخبرة والممارسة العملية. - في قناة (هارموني)، هل كنت تعمل داخل مؤسسة أم كنت تحاول إعادة تعريف شكل المنتج الفني نفسه؟
– أشكر الفنان معتصم الجعيلي، الذي فتح لي أبواب شركته المتخصّصة في الإنتاج الفني والإعلان، ومنها انطلقت فكرة (تلفزيون هارموني) قبل ظهور الفضائيات السودانية. أتذكّر أنني قلت له يومًا: “يا بوس.. ما نعملها تلفزيون؟”، وكانت تلك اللحظة بداية الفكرة. وبالفعل تأسّست (هارموني) كواحدة من أوائل التجارب الفضائية السودانية بتمويل وجهد سوداني خالص، مع أمنية صادقة بعودة هذه التجربة من جديد. - تجربة تأسيس (المخمل للإنتاج الفني): هل كانت مغامرة.. وكيف حافظت على التوازن بين السوق والرؤية؟
– ربما كان حالي كحال كثير من الشباب الذين يسعون للخروج من عباءة المؤسسات الكبرى ومحاولة صناعة تجربتهم الخاصة. فجاء تأسيسي لشركة (المخمل للإنتاج الفني) كمغامرة فنية أولًا، وضرورة اقتصادية ثانيًا، بهدف تقديم رؤيتي باستقلالية أكبر.
ورغم صعوبة البدايات، استطعت خلال أشهر توقيع عقد لتنفيذ برامج لقناة (إقرأ) الفضائية، كما أنجزت عددًا من الأفلام الوثائقية، من بينها: (الملح.. حقيقة الحياة)، و(الخلاوي.. نهر معرفي مستمر)، وفيلم عن احتفاء السودانيين بعيد الأضحى المبارك. - اشتغالك على الفيديو كليب، هل هو فن قائم بذاته؟
– الفيديو كليب بالنسبة لي فيلم ينقل روح الأغنية، لا ترجمتها الحرفية. نفذت أعمالًا مثل )المصير( و)يا زمن) للفنان الراحل إبراهيم عوض، إضافة إلى أعمال للأطفال وأغنية للفنانة رشا شيخ الدين. وربما كنت المخرج الوحيد الذي عرض تجاربه وفتحها للتقويم العلني داخل المجلس القومي للمصنفات الأدبية والفنية، بحضور البروفيسور علي شمو. - تجربتك مع (غرفة صناعة السينما).. أين وصلت الصناعة؟
– التحيّة للفنان محمد عليش ورفاقه: خالد علي، خالد طه الدريديري، وكازا، وكل من أسّس (جماعة صناعة السينما السودانية) قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى (غرفة صناعة السينما السودانية). كانت لدينا طموحات حقيقية لصناعة سينما سودانية جادة، فبدأنا بدورات تدريبية متخصصة، أولها بقيادة المخرج الراحل د.أحمد عاطف الدُرّة، ثم تبعتها دورات مع إبراهيم شدّاد، وعبادي محجوب، ومهيرة مجدي سليم. توقفت التجربة لاحقًا بسبب السفر وانشغال الأعضاء، لكن الأمل ما زال قائمًا في عودتها. - (سودانيات).. كيف تنظر للفعل الثقافي الجماعي؟
(سودانيات) تعني “أشياء سودانية”، وقد أسّستها عام (2016) تخليدًا لذكرى صديقي الراحل خالد الحاج الحسين الحسين، مؤسّس منبري (سودانيات) و(البركل). كما أنشأت لها حضورًا رقميًا عبر (اليوتيوب) و(تيك توك) ومنصّات التواصل، بهدف تنشيط الثقافة السودانية داخل السودان وخارجه.
تنطلق الفكرة من إيمان بأن “التنوّع الثقافي مكوّن أساسي للأمم العظيمة”، ولذلك تعمل على مناهضة العنصرية وخطاب الكراهية، والدعوة إلى سودان يتسع للجميع. - ثمانية عشر عامًا في مصفاة الخرطوم.. ماذا أضافت لك؟
– صحيح أنها أبعدتني عن الوسط الفني جزئيًا، لكنها منحتني خبرة كبيرة في الإدارة على يد الراحل الهادي حسن قنجاري، الذي كان يؤمن بأن الفنان يمكن أن يكون إداريًا ناجحًا. - الحرب.. كيف أعادت تشكيلك؟
– الحرب لعنة أرهقت الناس ودّمرت تفاصيل الحياة، لكنها منحتني دافعًا أكبر للعمل من أجل السلام. كما أعادتني للتجوال بين مكونات السودان المختلفة، من الفلاتة ونوبة الجبال والرزيقات والبقارة والجعليين، ما رسّخ داخلي الإيمان بوحدة هذا التنوّع. وأعادت أيضًا صياغة أسئلتي الفنية نحو أعمال أكثر عمقًا وإنسانية. - (شيخ النازحين).. مسؤولية أم لقب؟
– هي مسؤولية كبيرة بكل تأكيد. تنقلت بين ولايات السودان الآمنة، وسافرت إلى مصر ولبنان ورواندا والبحرين، ليس بحثًا عن الأمان فقط، بل ردًا لجزء من الدين لهذا الشعب. وأطلقت مشروع (مفاهيم تربوية من خلال الألعاب الشعبية) للأطفال، إضافة إلى فيلمي (إبرة وخيط) للتوعية بمخاطر تزويج القاصرات والدعوة لحق الطفلات في التعليم والحياة. - المسرح السوداني بعد الحرب؟
– بالتأكيد، المسرحيون السودانيون لم ينتظروا الحرب لتتوقف. في الداخل والخارج استمرت العروض والمهرجانات في مدن مثل مدني وكسلا وبورتسودان، وكذلك في القاهرة ولندن وكندا. المسرح السوداني ما زال حيًا، وربما تمنحه هذه الظروف القاسية لغة أعمق ورؤية أكثر نضجًا.
أشكر (ملف الهدف الثقافي) على هذا الحوار، وأتمنى أن أكون قد قدّمت ما يفيد، مع دعاء صادق بأن تتوقف هذه الحرب قريبًا، وأن ينعم السودانيون بالسلام والطمأنينة.. فالبداية الحقيقية دائمًا من الفن.

Leave a Reply