امرأةٌ تكتب.. ورجلٌ يجهل ورطته

صحيفة الهدف

ليلى صلاح

أشفق على رجلٍ اختار العيشَ جوارَ امرأةٍ تكتب، لأنه يجهل ورطته.
هو لم يقع في حبِّ امرأةٍ فقط،
فهناك طفلةٌ لم تنتهِ من البكاء، ومدنٌ لم تبرد بعد،وذكرياتٌ تعرف كيف تعود،
وأشباحٌ تجلس إلى المائدة
دون أن يراها أحد.
يستطيع البعض احتمال امرأةٍ جميلة، وامرأةٍ ذكية، وامرأةٍ صعبةٍ أحيانًا،
لكن امرأةً.. تكتب، فهذه حكايةٌ أخرى.
أنت لن تعيش معها وحدك
أبدًا.
تجلس قبالتك، حافيةً أحيانًا،
تشرب قهوتها ببطء، تسألك إن كنت تريد مزيدًا من السكر، وتضحك على شيءٍ عابر،
كأن العالم ما زال مكانًا صالحًا للنجاة.
بينما في الداخل تكون قد فتحت للتو بابًا لا تراه أنت،
يخرج منه خوفها الأول،
طفلها القديم،
مدينةٌ احترقت،
رسالةٌ لم تصل،
وحبٌّ نجت منه،
ولم ينجُ منها.
شريك الكاتبة يغار من دفترٍ تعرف كيف تخفيه أكثر مما تخفي هاتفها،
ومن جملةٍ توقظها في الثالثة فجرًا، فتترك السرير بعينين نصف نائمتين،
كأن أحدًا ناداها باسمها الأول.
يغار من شخصياتٍ لا يراها،
لكنها تبكي لأجلهم، وتبتسم لهم،
وتمنحهم من قلبها ما يعجز أحيانًا عن طلبه.
ويغار أكثر من رجلٍ ورقيٍّ قال لها، في فصلٍ من روايةٍ لم تكتمل، ما ظلَّ هو يؤجله حياته كلها.
ومن أشباحها، تلك التي لا تطردها،
بل تجلس معها في الضوء الخافت،
وتطعمها حبرًا،
وصمتًا،
وقليلًا من نبضها.
شريك كاتبةٍ لا يعيش مع امرأةٍ فقط، بل يعيش مع طقسٍ كامل.
صباحٌ تعانق فيه العالم،
وتزرع الموسيقى في المطبخ،
وتضحك من قلبها،
كأن الحياة اعتذرت لها أخيرًا.
ومساءٌ آخر يكفي فيه إيقاع موسيقى تمقتها،
أو كلمةٌ قيلت بنبرةٍ خاطئة،
أو ذكرى مرّت بلا إشارة،
كي تشتعل.
قد لا تصرخ.
أحيانًا يكون انفجارها في صمتها،
في الطريقة التي تسحب بها يدها،
في الباب الذي يُغلق
أهدأ مما يجب،
في جملةٍ
مثل: “لا شيء”..
بينما كلُّ شيءٍ يحترق.
وأنت.. تقف أمامها
كمن يحاول إطفاء بيتٍ كاملٍ بكوب ماء.
ثم، بعد ساعة، أو بعد قصيدة،
أو بعد بكاءٍ لا تعترف به،
تعود،
تضحك،
تلمسك،
وتسألك ببساطة: هل أكلت؟
كأنّ الجحيم كلَّه لم يمرَّ من هنا.
ثم تكتب.
وهنا تبدأ مصيبتك الحقيقية،
لأنك تكتشف أن كلَّ ما عشته معها لم ينتهِ،
بل بدأ الآن فوق الورق.
تقول دائمًا إنك لن تقرأ ما تكتب،
ثم تنتظر أن تنشغل، أو تغيب قليلًا،
ثم تقترب من دفترها،
لا كقارئ، بل كمتسلّلٍ يفتّش
عن نفسه
بين السطور.
ثم تتجمّد، ليس لأنك وجدت رجالًا آخرين،
بل لأنك وجدت مدنًا كاملة،
ونساءً مكسورات،
وطفولةً تركض،
وحروبًا لم تنتهِ بعد.
ثم ترتعب أكثر حين لا تجد نفسك هناك.
وعندها فقط تفهم
أنك لا تنافس رجلًا آخر،
ولا ماضيًا، ولا ذكرى.
أنت فقط.. تعيش داخل قلبٍ مكشوفٍ أكثر مما ينبغي،
ومكتبةٍ مشتعلة،
وأربعة فصولٍ من الطقس
في يومٍ واحد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.