وُلد أحمد القرشي محمد صالح طه عام 1945 في قرية “القراصة” بولاية النيل الأبيض، وسط أسرة ريفية بسيطة امتدّت جذورها في الحياة الزراعية والتعليم الديني التقليدي. نشأ بين خلوات القرآن في قريته وخلوة جده الشيخ الصديق، قبل أن ينتقل في رحلته التعليمية بين الدلنج وأبوجبيهة والفاشر، حيث تفتّح وعيه على العالم الأوسع، ثم انتهى به المطاف إلى جامعة الخرطوم — دار الفكرة والحراك السياسي في السودان آنذاك — طالبًا في السنة الأولى بكلية العلوم، قسم الأحياء.
لم يكن طريقه التعليمي مستقيمًا بالمعنى الهادئ للكلمة؛ فقد عرف منذ سنوات دراسته الأولى شيئًا من روح الاعتراض المبكر. يروي مقرّبون أنه قاد في مرحلة الثانوي احتجاجًا طلابيًا بسبب نقص الكتب والمعلمين، ما أدى إلى فصله مؤقتًا قبل أن يعود لإكمال دراسته بعد تعهّد رسمي. كانت تلك الإشارات الأولى لروحٍ لا تقبل الصمت أمام ما تراه خللًا أو ظلمًا.
وفي الجامعة، ظلّ القرشي حاضرًا بين الطلاب بهدوئه وابتسامته، قريبًا من زملائه، مشغولًا بالدراسة والحياة اليومية أكثر من انشغاله بالشعارات الكبرى. تعددت الروايات حول انتمائه السياسي بين الشيوعيين أو الإسلاميين أو اليساريين عمومًا، بينما يرى آخرون أنه لم يكن منخرطًا تنظيميًا في أي تيار، بل أقرب إلى الطالب العادي الذي وجد نفسه داخل لحظة سياسية متوترة لا تسمح بالحياد الطويل.
في مساء الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964، كانت جامعة الخرطوم على موعد مع حدث سيغيّر تاريخ البلاد. اجتمع الطلاب في ساحة “البركس” لمناقشة قضية الجنوب السوداني، في وقت كانت فيه البلاد تحت حكم عسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود. تحوّل اللقاء السلمي إلى مواجهة بعد أن تدخلت الشرطة لفضّ الندوة بالقوة واستخدام الغاز المسيل للدموع، لتبدأ حالة من الفوضى والاحتجاج داخل الحرم الجامعي.
في تلك اللحظات، اندفع الطلاب في مواجهة غير متكافئة مع القوة النظامية، بالحجارة وبما تيسّر من أدوات الغضب. كان أحمد القرشي بينهم، يتحرك مع زملائه قرب داخلية “السوباط”، في مشهد اختلط فيه التوتر بالخوف والإصرار. وبحسب روايات شهود عيان، تقدّم القرشي في لحظة نحو ساحة المواجهة، وألقى حجرًا باتجاه قوات الشرطة، قبل أن تُطلق رصاصة أنهت حياته على الفور، لتصيبه في رأسه ويسقط أرضًا في لحظة صمت ثقيل.
نُقل القرشي إلى المستشفى، لكن إصابته كانت قاتلة. ومع انتشار الخبر، تحوّل الصمت إلى موجة غضب اجتاحت الجامعة والمدينة. لم يعد الأمر حادثة فردية، بل شرارة أشعلت وعيًا سياسيًا كاملاً، ودفعت البلاد إلى مسار احتجاجات واسعة انتهت بسقوط النظام العسكري لاحقًا وقيام فترة انتقالية مدنية.
تشييعه لم يكن حدثًا عاديًا أيضًا؛ فقد تحوّل إلى مشهد وطني جامع، شارك فيه طلاب وسياسيون وشخصيات عامة من اتجاهات مختلفة، في لحظة نادرة التقت فيها الأضداد حول جثمان شاب واحد. دُفن في قريته “القراصة”، حيث ما زال قبره شاهدًا بسيطًا على بداية تحوّل كبير في تاريخ السودان.
ومع انتصار ثورة أكتوبر، لم يبق اسم القرشي مجرد ذكرى، بل أصبح رمزًا لبدايتها. حملته الأغاني والقصائد، وتحوّل إلى أيقونة في الوجدان الشعبي، ورمزًا لما يمكن أن يفعله طالب واحد حين يتحوّل غضبه إلى شرارة جماعية. كُتب عنه: أن بدمه انفتح فجر جديد، وأن لحظة سقوطه لم تكن نهاية حياة، بل بداية زمن آخر.
هكذا بقي أحمد القرشي طه في الذاكرة السودانية اسماً ارتبط بتحوّل تاريخي كامل، حيث امتزجت فردية الحياة بعمق الفعل الجماعي، ليصبح أول شهيد في ثورة لم تكن تبحث عن ضحية، لكنها وُلدت من لحظة صدام بين الصمت والرغبة في التغيير.

Leave a Reply