محمد غندور
#ملف_الهدف_الثقافي
السينما تكذب بطريقتين: بما تظهره، وبما تختار ألا تظهره. فيلم (مايكل) للمخرج أنطوان فوكوا ينتمي إلى الفئة الثانية، التي تثير ضجيجًا يتجاوز حدود الشاشة. لا يروي قصة نجم فحسب، بل يكشف بصورة لا إرادية عن آليات صناعة الأساطير في عصر تتشابك فيه حقوق الملكية الفكرية مع الإرث الأخلاقي، وتتداخل فيه مصالح ذوي الفنان مع استقلالية العمل الإبداعي.
يقترح الفيلم على المشاهد صفقة ضمنية: أن يتعلّق بموهبة استثنائية، في مقابل أن يغض طرفه عن كل ما قد يكدّر صورتها. ومن حق المشاهد أن يقبل هذه الصفقة أو يرفضها، لكنه لا يملك في الحالتين أن يتجاهلها.
ما يجعل (مايكل) مادة نقدية خصبة بامتياز ليس فقط ما يقوله، بل ما يصمت عنه بعناية مدروسة. والصمت في السينما، شأنه شأن الصمت في الأدب والسياسة، له وزن ومعنى وتداعيات.
حين يصل فيلم سيرة ذاتية إلى عام 1988 ومن ثم يتوقّف ملوّحًا بجزء ثان، فهو لا يفصح عن ضغط إنتاجي أو قرار فني بقدر ما يفصح عن تصميم واع على تأجيل المواجهة مع الجزء الأكثر إشكالية من تلك الحياة. هذا التأجيل هو الموضوع الحقيقي للفيلم، وإن لم يكن موضوعه المعلن.
من غاري إلى العالم
تنطلق أحداث (مايكل) من منزل عائلة جاكسون في مدينة غاري بولاية إنديانا عام 1966، في مشهد يضع المشاهد أمام بؤرة الصراع الجوهري في حياة النجم: أب استبدادي يجسّده بتفوّق الممثل كولمان دومينغو، يرى في أبنائه ورقة رابحة في مواجهة قسوة الحياة العمالية، وطفل استثنائي يحمل موهبة يصعب احتواؤها.
جوزيف جاكسون في الفيلم شخصية مركّبة من الوحشية والطموح، يضرب ابنه بالحزام ويدفعه إلى الشهرة بالقدر ذاته من العنف. وحين يرفع الستار عن المايكل الطفل، الذي أدى دوره بإجادة ملاحظة الممثّل جوليانو فالدي، يجد المشاهد نفسه أمام سردية مألوفة: العبقرية المولودة من الألم.
تتسارع الأحداث بعد ذلك، إذ لا يضيع الفيلم وقته في استكشاف مراحل التحوّل الداخلية، بل يقفز من محطة إلى أخرى بمنطق الحوليات: موتاون، وكوينسي جونز (كيندريك سامبسون)، وصعود مايكل المنفرد، ومعركة MTV الشهيرة، وحريق إعلان بيبسي.
كل ذلك مقدّم بإيقاع يشبه الفيديو كليب أكثر مما يشبه الدراما الإنسانية العميقة، المحطة الأكثر إثارة دراميًا تبقى تحرّر مايكل من سيطرة والده، حين يستعين بالمحامي الشاب جون برانكا (مايلز تيلر)، في مشاهد تكتسب حيوية لافتة حين يدخل مايكل مايرز بأداء ساخر محكم في دور رئيس شركة الأسطوانات وولتر يتنيكوف.
أما الجزء الأساس من الفصل الثاني فينيط بالممثّل جعفر جاكسون، ابن شقيق المغني الراحل، مهمّة حمل الفيلم على عاتقيه، مما ينجز معظمه بكاريزما أخّاذة في مشاهد الأداء الموسيقي، بينما تبدو الشخصية أمام الكاميرا خارج المسرح أقرب إلى ملاك خجول منه إلى إنسان حقيقي.
نقاط الضعف
السينما لا تكذب دائمًا بما تقوله، بل تكذب أحيانًا بما تختار أن تتجاهله. (مايكل) يمثّل حالة دراسية في ما يمكن تسميته “الحذف الأيديولوجي”، أي الإسقاط المنهجي لعناصر من شأنها أن تقوّض صورة الشخصية المركزية أو تعقّدها، بما يتجاوز مساحة الراحة التي رسمها صانعو الفيلم سلفًا.
أبرز هذه الغيابات طبعًا، غياب أية إشارة إلى الاتهامات الموثّقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال التي لاحقت جاكسون طوال التسعينيات وما تلاها. هذا الإسقاط ليس قرارًا فنيًا بريئًا، لأن الفيلم نفسه يحشو مشاهده بلقطات تظهر ميل مايكل إلى رفقة الأطفال، من زيارات المستشفيات إلى المحادثات في متجر الألعاب إلى حمل لعبة “تويستر” إلى البيت. هذه المشاهد لا يمكن مشاهدتها بسذاجة كاملة، وصانعو الفيلم يعرفون ذلك. إنهم يقدّمونها بوصفها دليلًا على براءة روح طفولية مجروحة، لكنهم يعرفون أن جزءًا من الجمهور سيقرأها قراءة مغايرة، ومع ذلك يواصلون. هذا الغموض المتعمّد ليس جرأة فنية، بل هو نوع من المراوغة الأخلاقية.
لكن الفيلم يغيب عنه كثير مما لا يمس الاتهامات أصلًا، ثمة غياب شبه تام للحياة العاطفية والجنسية لمايكل، لا يقر الفيلم بوجودها ولا يقر بغيابها، فتبقى الشخصية معلّقة في فضاء اللا جنس المريح.
لا نعرف شيئًا عن علاقاته بنجوم عصره، لا تحالفات ولا تنافسات ولا صداقات حقيقية. يشير العمل عابرًا إلى مخاوف مايكل من أن “الله ربما يمنح الأفكار لبرينس” بنبرة فكاهية خفيفة، لكنه لا يستكشف البتة ما يعنيه أن تكون أسطورة بين الأساطير.
الثروة الهائلة التي راكمها يومأ إليها من دون أن تستكشف، فلا نرى كيف شوّهت علاقاته أو أعادت رسم حدود عالمه. وحين يمر الفيلم على حريق إعلان بيبسي الشهير الذي كاد يودي بحياة جاكسون ويعتقد على نطاق واسع أنه كان نقطة التحوّل نحو إدمان المسكّنات، يكتفي بتصوير المشهد باعتباره لحظة تعاطف إنساني مع المرضى الآخرين، من دون أن يلمّح إلى ما أشعله ذلك الحريق في الداخل.
الخلل العميق مع ذلك ليس في غياب هذه التفاصيل وحده، بل في الفلسفة السردية التي تنتجها غيابًا بعد غياب: يقرّر الفيلم سلفًا من هو مايكل جاكسون، ثم يبني حججه لتأكيد هذا القرار المسبق. الشخصية لا تكتشف نفسها أمام المشاهد، بل تقدّم له جاهزة، صافية، مكتملة الملامح كأيقونة مرسومة لا كإنسان يتشكّل.
التلميع بدلًا من الحقيقة
ما يميز (مايكل) بين أفلام السير الذاتية المحابية، هو الدرجة غير المسبوقة من التشابك بين جهات الإنتاج والشخصية المصوّرة. مؤسسة إدارة إرث جاكسون لم تكن منتجًا تنفيذيًا صامتًا بالمعنى المألوف، بل كانت طرفًا فاعلًا في تشكيل المنتج النهائي: دفعت تكاليف إعادة تصوير مشاهد بعينها، وأصرّت على حذف مقاطع تتعلق بالاتهامات استنادًا إلى بنود تسوية قانونية سابقة تحظر تصوير أحد المتهمين المذكورين.
هذا يعني أن الخط الفاصل بين الفيلم بوصفه عملًا فنيًا والفيلم بوصفه أداة لإدارة الإرث قد انهار بصورة كاملة، وهو انهيار يستحق أن يحسب عند أي تقييم جمالي أو أخلاقي للعمل.
الأكثر إثارة في هذه المعادلة أن جون برانكا، المحامي الذي يصوّره الفيلم بطلًا ذكيًا محرّرًا لمايكل من براثن والده، هو نفسه المنفّذ لوصية جاكسون وأحد المنتجين التنفيذيين للفيلم. فالشخصية التي تمثّل الوجه “الإيجابي” لعلاقة مايكل بالعالم الخارجي، يؤديها في الواقع شخص له مصلحة مباشرة في أن تبدو تلك الصورة جميلة.
* كاتب من لبنان (اندبينت عربية)

Leave a Reply