“لتنجو.. عليك أن تخوض معارك كثيرة”: التشكيلي معتز الإمام بين الذاكرة البصرية ومعارك اللون

صحيفة الهدف

مجدي علي

قلّة من التشكيليين السودانيين اختطّوا مسارًا فنيًا تجاوز حدود التجربة المحلية، وامتد إلى فضاءات أوسع، غير أن معتز الإمام يواصل هذا الامتداد ببصمة لونية خاصة لا تتشبه بأحد، قوامها مخزون معرفي ثرّ وذاكرة بصرية سودانية تتقاطع فيها العوالم العربية والإفريقية.

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

معتز الإمام فنان كسلاوي المولد، يعيش ويعمل بين مصر والسودان، ويُعد من الأسماء الفاعلة في المشهد التشكيلي المعاصر. في كسلا الوارفة تشكّلت ملامح وعيه البصري الأول في بيئة غنية بالتنوع الثقافي والجغرافي بين النهر والصحراء والخضرة، وهو ما انعكس لاحقًا على حساسيته اللونية.

درس الفنون الجميلة وتخرّج في جامعة العلوم والتكنولوجيا، حيث اكتسب تدريبًا أكاديميًا أسهم في بناء أدواته التقنية وصياغة لغته التشكيلية. وهو عضو في الاتحاد السوداني للفنون التشكيلية، كما ينتمي إلى أتيليه القاهرة، بما يعكس حضوره داخل الحراك الفني بين الخرطوم والقاهرة.

بدأ الإمام رحلته من مطلع الألفية كمشروع فني وفلسفي مختلف، ثم انتقل إلى القاهرة ساعيًا إلى ترسيخ حضور تشكيلي سوداني فاعل هناك، فنجح في تطوير تجربته وإغنائها عبر أكثر من ستة معارض فردية، من أبرزها: (تلوين، موسيقى لونية، لمسة سوداء، النهر، مناخات، وثاني أكسيد الكربون). كما شارك في معارض دولية مهمّة في نابولي، دوسلدورف، جنوب فرنسا، الدوحة، وبكين. وامتد حضوره لاحقًا في معارض جماعية وفردية بين 2016 و2024م، من أبرزها: (النهر الذي لا ينضب، الجمال المراوغ، الناجون، الرفقة، وفي عمق الجذور، والبصائر).

تقوم تجربة معتز الإمام على اشتغال بصري متحوّل يرفض الثبات، ويحتفي بالفعل التجريبي المستمر. فهو يرى أن “لا سقف للعمل الفني”، وأن الفن مشروع مفتوح على الاكتشاف والتحوّل. اللون في تجربته ليس عنصرًا جماليًا فقط، بل هو “إشارة بصرية ومعرفية ومزاجية” تحمل دلالات ثقافية ونفسية وروحية، وتعمل كذاكرة حية تعيد إنتاج التجربة الإنسانية؛ لذلك تبدو لوحاته كـ “صندوق أسود” يختزن الحياة ويعيد تشكيلها بصريًا.

وتبرز تجربة معرض (الناجون) بوصفها محطة مفصلية، حيث تتحوّل اللوحة إلى ساحة صراع بصري بين اللون والشكل. فقد حمل المعرض طابعًا يقوم على “مساجلات بصرية” تتشكّل فيها ملامح بشرية مموهة تظهر وتختفي داخل فضاء مشحون بالتوتر. واستقبلت القاعة عبارة دالة: “لتنجو.. عليك أن تخوض معارك كثيرة”، بما يفتح أفقًا وجوديًا يربط النجاة بالفعل البصري نفسه.

تتراوح معالجاته بين التقشّف اللوني في الأعمال الصغيرة، والتكثيف في الأعمال الكبيرة، مع حضور وجوه “مغبّشة” تتأرجح بين الظهور والإخفاء. كما يتميّز أسلوبه بالتجريد الإيمائي، حيث يتداخل الفعل الجسدي المباشر مع الحدس، فتغدو ضربات الفرشاة جزءًا من السرد الداخلي للعمل.

ولا يمكن فصل تجربة معتز عن السياق السوداني المضطرب؛ حيث يحضر أثر الح.رب والنزوح كظلّ غير مباشر في أعماله، يظهر في توتّر اللون، وتشظّي الشكل، وملامح الوجوه المموّهة. فالنزوح هنا لا يُقدَّم كموضوع مباشر، بل كحالة بصرية داخل اللوحة، تعكس حركة الإنسان بين الانكسار وإعادة التشكل.

ويرى معتز الإمام أن الفن علاقة جدلية بين الفرد والمجتمع، ويعبّر عنها بقوله إن “الفن للفن حينما يعلم الفنان، وللمجتمع حينما لا يعلم”. كما يؤكد أن التحدّي الحقيقي للفنان هو “كسر التوقعات” وعدم الاستسلام للثبات، لأن الزمن وحده هو الحكم الأخير على التجارب.

#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #معتز_الإمام #تشكيل #فنون_جميلة #رسم #ثقافة #كسلا #القاهرة #إبداع #نقد_فني #الناجون #Sudan #FineArts #Painting #Culture #Exhibition #SudaneseArt

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.