متى ينتبه الطغاة إلى صمت الشعوب؟

صحيفة الهدف

د.محمد عبد الله

في الظاهر، قد يبدو الصمت نعمةً كبرى للطاغية: شارع هادئ، لا هتافات، لا لافتات تُقلق نومه، ولا صوت يفضح خطاباته الجاهزة. لكنّ التأمّل في التاريخ يكشف العكس تمامًا؛ فكثيرًا ما كان الصمت مجرد غيمة تتكوّم ببطء، قبل أن تنفجر دفعةً واحدة.

الطغاة، في الغالب، لا ينتبهون إلى هذا الصمت؛ ليس لأنهم أغبياء بالضرورة، بل لأن طبيعة الحكم المستبد تعزلهم عن الشارع، وتوهمهم بأن السكون رضا. هكذا أخطأ نبلاء فرنسا عام 1789م، حين ظنّوا أن الفقراء قد هدأوا واستسلموا للجوع، فإذا بالجوع نفسه يتحوّل إلى صرخة هزّت عروشهم. وفي إيران، قبل الثورة، راهن الشاه على أجهزته الأمنية، وغاب عنه أن المساجد والبيوت، بل والقلوب، كانت تعيد ترتيب المشهد في صمت.

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

الثورات لا تنفجر صدفة، بل تنشأ من تراكم بطيء وهدوء مؤقت: ظلم يتصاعد، وعدالة تُؤجَّل، وأمل يُخلف وعده. تمرّ الثورات بموجات مدّ وجزر، تتقدم وتتراجع، لكنها تحتفظ دائمًا بخيط خفي يربط مراحلها: شعور الناس بأن ما هو كائن لم يعد قابلًا للاستمرار. وهنا يصبح الصمت نفسه بطلًا في الحكاية؛ ليس صمت المستسلم، بل صمت من يُخفي قنبلته. في هذه اللحظة، تحضر كلمات الشاعر السوداني الكبير عالم عباس، كأنه يصف واقعًا يتكرر:

هدوءٌ، ولكنه عاصفةْ. هدوءٌ، وفي صمته الكاظم من غيظه قنبلةٌ ناسفةْ.

إنه الصمت الذي “يهندس في السر ذرّات وثبته”، لا غضبًا أعمى، بل غضب يتعلّم الدقّة، ويكدّس الرعد والبرق لساعة الانفجار.

السودان، في تجربته القريبة، يقدّم مثالًا حيًا لهذه المعادلة؛ فعقود من القمع والتهميش جعلت كثيرين يظنون أن الشعب قد استسلم لواقع لا يُطاق. لكن ذلك الهدوء لم يكن سوى إعادة ترتيب للأوراق، وتغيير للغة، وتحضير للحلم. ثم جاءت اللحظة الفاصلة: سقوط رأس النظام. وظنّ البعض أن الحكاية انتهت، غير أن إسقاط الرأس لا يعني موت الجسد؛ فالدولة العميقة، بشبكاتها المعقّدة، سارعت إلى المقاومة: أولًا بالق.تل المنهجي، ثم بجريمة ستظل وصمة في الذاكرة، هي فضّ اعتصام القيادة العامة. أُلقيت جثامين الثوار في النيل، وكأن الجلادين أرادوا محو الذاكرة نفسها، لكنهم، من حيث لا يشعرون، كانوا يضيفون مزيدًا من الوقود إلى النار.

وهنا يعود صوت عالم عباس: هدوءٌ، وتحسبه هدأة الموت، لكنها الآزفةْ، ستتبعها الرادفة.

يظن الطغاة أن الهدوء موت، لكنه في الحقيقة تخفٍّ ذكي؛ ليس تراجعًا، بل إعادة تموضع. الثورة التي تبدو مكسورة تعيد تعريف نفسها في صمت، وتعيد ترتيب قواها لمعركة قد تطول، لكنها لا تُلغى. التاريخ لا يسير في خط مستقيم، وهذه مفارقة تمنح الثوار عزاءً كما تمنحهم الألم. لكن، في المآل، تميل الثورات إلى الانتصار، لا لأنها تملك السلاح الأقوى، بل لأن الطغيان نفسه يُنتج أعداءه: يظلم فيصنع ثائرًا، ويق.تل فيخلق ذكرى، ويظن أنه يمحو، فإذا به يزرع جذورًا أعمق.

في خاتمة قصيدته، يحدد عالم عباس أفق هذا الغليان:

إلى أن يُقامَ القِصاص على ساحة العدل بالقسط،

لا يتفلت جانٍ،

ولا يعتري المنصفين انهزامُ.

يبقى السؤال: هل ينتبه الطغاة لصمت الشعوب؟ التاريخ يجيب، والشعر يؤكد، والدم يشهد: نادرًا. نادرًا ما ينتبهون في الوقت المناسب؛ لأنهم يرون في الصمت فراغًا، بينما هو في حقيقته امتلاء، ويرون سكونًا، ولا يسمعون ما تحته من دوي. لكن الشعوب، حتى في صمتها، لا تتوقف عن العمل: تتعلّم، تخطئ، تراكم، وتعيد تعريف نفسها. وحين تنطق، لا تنطق لتُسمِع فقط، بل لتُغيّر.

وهنا تكمن البشارة: أن ما يبدو سكونًا ليس إلا استراحة موج.. قبل أن يعود، أقوى، وأوسع، وقادرًا على اقتلاع ما تبقّى من وهم الطغاة.

#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #د_محمد_عبدالله #عالم_عباس #ثورة_ديسمبر #فكر #سياسة #ثقافة #تاريخ #حرية #عدالة #قصاص #Sudan #Revolution #Culture #Politics #History #Freedom

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.