العامل ليس فئة بل معنى الوطن
▪️في الأول من مايو، ذلك اليوم الذي خرج فيه العمال في شيكاغو عام 1886 يطالبون بتخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعات، فكانت تضحياتهم بداية لتحول عالمي في مفهوم حقوق العمال؛ لا نحيّي العمال والعاملات بوصفهم فئة اجتماعية، بل بوصفهم المعنى الحي لفكرة الوطن والمواطنة، حين يتجسّد في الفعل. فهذا اليوم، الذي وُلد من صراع إنساني ضد الظلم والاستغلال، وتمسكًا بقيمة العمل كوجه آخر لقيمة الإنسان وكرامته؛ يعود إلينا اليوم في لحظة سودانية وعربية مثقلة بالأسئلة، وليدة المعاناة وتحديات وجودية لا مثيل لها، ماذا تبقّى من الإنسان العامل ومن الدولة الوطنية؟ وأين يقف العامل في زمن الحـ.ـروب العبثية والانهيارات؟ وهل ما زال العمل طريقًا للتحرّر والرضا الوظيفي، أم تحوّل إلى مجرد وسيلةٍ للبقاء؟
▪️في السودان، حيث الحـ.ـرب لا تكتفي بإزهاق الأرواح، وتفتح فاهها لتلتهم عام رابع؛ بل تمتد لتفكيك بنية المجتمع والدولة معًا، تحت شعارات جوفاء عديمة الجدوى والمعنى، ترددها ألسن أطرافها ومموليهم؛ يصبح العامل، كما العاملة وأشد، أول الضحايا وآخر من يُرى. تتعطل المصانع والورش والحرف، تُهجر الحقول والبساتين والمدن والأحياء، تُنهب سلاسل الإنتاج، وتُهرَّب الثروات لإثراء أمراء الحـ.ـرب وعائلاتهم وتمويل استمرارها، ويتحول الملايين من المنتجين والعاملين والعاملات إلى نازحين أو عاطلين أو باحثين عن النجاة في اقتصاد زادته الحـ.ـرب هشاشة وبلا أفق أو دليل.
▪️ هنا، لا تكون الحـ.ـرب مجرد صراع عسكري؛ بل عملية اقتلاع منهجية لأسس الوطنية والعمل نفسه، تدمير للقيمة، وإفراغ للوطن من طاقته المنتجة، وتحويل الإنسان من فاعلٍ في الاقتصاد إلى عبءٍ عليه.
غير أن المأساة السودانية ليست استثناءً، بل هي التعبير الأكثر حدّة عن أزمة أعمق تضرب بنية الدولة الوطنية في العديد من الأقطار العربية.
▪️ في السودان وحده، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى فقدان أكثر من 60% من فرص العمل في القطاع الخاص منذ اندلاع الحـ.ـرب في أبريل 2023، وتعطُّل نحو 70% من المصانع الكبرى، وتحُّول ملايين الفلاحين والرعاة إلى نازحين بلا مصدر رزق. هذه ليست أرقامًا، بل هي معاناة إنسانية تجسدها أسرة خسرت مصدر دخلها، أو عامل وجد نفسه فجأة في العراء، خارج منظومة الإنتاج التي قضى عمره يبنيها. فهذه الدولة، التي وُلدت في سياق ما بعد الاستعمار، وجدت نفسها- لا سيما إبّان الدكتاتوريات العسكرية- ممزقة بين التبعية الاقتصادية والفساد والإفساد، والاختلال البنيوي، والارتهان السياسي، وضياع الفرص، وهدر الموارد. ومع كل أزمة يفاقمها تطاول أمد الدكتاتورية، يتراجع بالتزامن موقع العمل المنتج وقيمة الإنسان العامل، ويتقدّم منطق الريع، والاقتصاد الطفيلي، نحو المزيد من التبعية والإفقار، وفي قلب هذا التحول، يُدفع العامل إلى الهامش، إما مقصى من عملية الإنتاج، والمشاركة السياسية والنقابية، أو مدرج فيها بشروط تفرغه من التأثير.
▪️وما يحدث في السودان، رغم عبثية حـ.ـربه وغرابة ما رافق استمرارها من انتهاكات وتدمير وتخريب ونهب؛ ليس شاذًا، بل هو النسخة الأكثر دموية ومأساوية من أزمة تعم الوطن العربي، دول هشة، ومدن من الملح، كما صورها الروائي عبد الرحمن منيف في خماسيته، اقتصادات ريعية لا إنتاجية، وحـ.ـروب تفتك بالبنية التحتية وتشتت القوى العاملة وتعطل دورة حياة الإنتاج وسلاسل الإمداد والقيمة المضافة.
▪️لكن التاريخ لا يُكتب بالانهيار وحده. ففي كل لحظة تفكك، توجد إمكانية إعادة البناء- وهنا يبرز العامل، كشرطٍ للنهوض والمستقبل. لأن الأمم لا تقوم إلا على أكتاف من ينتجون، لا من يستهلكون فقط، على من يصنعون القيمة، ويؤكدون الجوهر الإنساني، لا من يديرون أزماتها. والعامل، في هذا المعنى، ليس مجرد جزءٍ من الاقتصاد، بل هو قلبه النابض، وشرط استقلاله.
إن إعادة الاعتبار للعمل في السودان، بوقف الحـ.ـرب، كأولوية وطنية، ديمقراطية واقتصادية؛ ليست ترفًا فكريًا بل ضرورة وجودية. فلا سيادة بلا إنتاج، ولا استقرار بلا عدالة، ولا دولة حقيقية دون طبقة عاملة واعية، حرة في تكوين نقاباتها واتحاداتها، ومتصلة بمشروع وطني وقومي متكامل الأبعاد. وفي هذا السياق، يصبح دور العمال والعاملات أبعد من المطالبة بوقف الحـ.ـرب ودعم الإنتاج والإنتاجية وتوفير شبكة الضمان الاجتماعي وتثبيت أسعار السلع الاستهلاكية وتركيز أسعار السلع المنتجة ومعالجة تشوهات هياكل الأجور والمرتبات ومفارقات الحد الأدنى لها وتغييب حدها الأعلى، بالتأكيد على الأجر المتساوي في العمل المتساوي، وأن الزيادة الحقيقية للأجور يكمن في التوسع في دعم وتوفر السلع الأساسية والخدمات الضرورية، واتباع سياسات تحقق استقرار القوة الشرائية للعملة الوطنية (تحسين واستقرار سعر صرف الجنيه مقابل العملات القابلة للصرف) رغم أهمية كل ذلك، إنه دورٌ العمال والعاملات في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الديمقراطية التعددية والعدالة الاجتماعية، بين الاقتصاد والتنمية والسيادة، بين الإنسان ووطنه.
ولن يتحقق هذا الدور دون تنظيم نقابي قوي، حر ومستقل، يعبر عن إرادة العاملين، لا عن الإملاءات السلطوية. فالعمال المتفرقون مهما كثر عددهم أفراد، والعمال المنظمون قوة حية. لقد علّمنا تاريخ نضال الحركة العمالية أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالنضال المنظم والدائم . واليوم، في ظل التحولات العاصفة التي يشهدها العالم، ومع تراجع قيمة الإنسان والأوطان في حسابات قوى الهيمنة في السياسة الدولية؛ يصبح الرهان الحقيقي على وعي العمال أنفسهم وتنظيماتهم التمثيلية المنتخبة.
في الأول من مايو، لا نحتفل بالماضي، بل نواجه الحاضر. لا لنستعيد الذاكرة فحسب؛ وإنما لنختبر التصميم بالمضي إلى الأمام. فإما أن يكون العمال جزءًا من مشروع نهوضٍ جديد، يعيد للوطن معناه وللعمل كرامته، وللإنسان قيمته، أو يبقى مجرد شاهد على زمن تتآكل فيه الأقطار، ويستنزف فيه الشعب في معارك لاهية. هنا، تحديدًا، تتجاوز المناسبة رمزيتها، لتصبح إجابة على سؤال مفتوح، هل نملك بعد القدرة على تحويل العمل إلى فعل تحرري نهضوي؟
▪️التحية للنضال العمالي السلمي الديمقراطي والمجد لشهداء طريقه.
▪️التحية والإجلال لأساتذة الجامعات السودانية ولمعلمي الولاية الشمالية وهم يدافعون عن حقوقهم ويمارسون أحد أمضى أسلحة النضال السلمي المطلبي.
كلمة الهدف
حزب البعث العربي الاشتراكي
الأول من مايو/ أيار 2026

Leave a Reply