مستقبل الصمغ العربي في السودان.. غابات مهجورة وطرق مقطوعة

صحيفة الهدف

ماجد الغوث 

في لحظةٍ يشتدّ فيها اضطراب الجغرافيا السودانية، يقف الصمغ العربي، ذلك المورد الهادئ الذي طالما عمل بصمت، كضحيةٍ صامتة لصخب الصـ.ـراع. ففي إقليم كردفان، حيث تمتد غابات الهشاب والطلح كأرشيفٍ حيٍّ للذاكرة البيئية، لم يعد الصمغ مجرد محصولٍ اقتصادي، بل صار مرآةً لانكسار التوازن بين الإنسان والأرض، وبين الإنتاج والأمان.

هذا المورد الاستراتيجي يواجه اليوم لحظةً حرجة تتقاطع فيها الحـ.ـرب مع الاقتصاد؛ فمع استمرار النـ.ـزاع، لم تعد الأزمة في تراجع الإنتاج فحسب، بل في تفكك المنظومة التي كانت تحمله من جذع الشجرة إلى رفوف المصانع العالمية.

مواسم مؤجلة وغابات صامتة

تبدأ الحكاية من الغابة، حيث تحوّلت مواسم “الطق” والجمع إلى مواسم مؤجّلة أو مفقودة؛ إذ لم يعد المنتج قادرًا على الوصول الآمن إلى أشجاره، ومع نزوح العمالة الموسمية، فرغت مناطق الإنتاج من خبرتها المتراكمة، وبقيت الأشجار تنضح بإفرازاتها في صمتٍ موجع، كأنها تبكي ثروةً تُهدر على مرأى الجميع.

لكن المأساة لا تقف عند حدود الإنتاج؛ فعلى امتداد الطرق التي كانت تربط كردفان بموانئ التصدير، تبدّلت الجغرافيا الاقتصادية إلى خرائط خـ.ـوف. تحوّلت المسارات التجارية إلى ممرات محفوفة بالمـ.ـخاطر، تتناسل فيها نقاط التفتيش والجبايات، حتى صار نقل المحصول مغامرةً قد تتجاوز كلفتها قيمة ما يُنقل. أما مدينة الأبيض، التي كانت بورصةً عالمية للمحاصيل، فقد أصابها شللٌ ثقيل بعد توقّف النظام المصرفي، تاركًا المنتجين بين عجز السيولة وضيق الخيارات.

التهريب.. بديل الضرورة المُرّ

في هذا الفراغ، يجد التهريب طريقه كآلية بقاء في اقتصادٍ فقد قنواته الرسمية؛ وهنا يتحوّل المورد القومي إلى مادة سائبة تتسرّب خارج الحدود، بينما تتآكل قيمته داخلها. غير أن أثر هذه الأزمة لا ينحصر داخل السودان، فالصمغ العربي عنصر خفيّ في سلاسل إنتاج عالمية تدخل في المشروبات، الحلويات، المخبوزات، وحتى الصناعات الدوائية الدقيقة وتكنولوجيا النانو.

هذه الأهمية هي ما جعلت الصمغ العربي يحظى تاريخيًا بوضع خاص حتى في سياقات العقوبات الدولية؛ فتعطّل هذا المورد يعني ارتباك منظومات إنتاج عالمية تُقدَّر بمليارات الدولارات، ولهذا فإن القلق الدولي المتزايد هو انعكاسٌ لحساسية هذا المورد في الاقتصاد العالمي.

نزيف البيئة وتهديد الحزام الأخضر

الوجه الأكثر قسوة للأزمة يتجلّى في بعدها البيئي؛ فحين ينقطع الدخل، بدأت بعض المجتمعات تتجه إلى قـ.ـطع الأشجار لإنتاج الفحم كوسيلة سريعة للبقاء، في مشهدٍ يهدد الحزام الأخضر ويُسرّع زحف التصحر. هنا لا نخسر موردًا اقتصاديًا فقط، بل نخسر توازنًا بيئيًا تشكّل عبر قرون.

ومع تصاعد هذه التحديات، يلوح خطرٌ استراتيجي: أن تبحث الشركات العالمية عن بدائل، أو تتجه إلى دول أخرى في الحزام الإفريقي، مما يهدد موقع السودان التاريخي الذي يهيمن على نحو 80% من الإنتاج العالمي.

إن إنقاذ الصمغ العربي ليس مسألة قطاعية، بل قضية وطنية تمسّ جوهر العلاقة بين الإنسان وموارده؛ هي معركة من أجل استعادة الأمن في الحقول، وإعادة الحياة إلى الطرق. فالصمغ العربي ليس مجرد “ذهب أسمر”، بل هو ذاكرة بيئية، وهوية اجتماعية، وجسر يربط السودان بالعالم.

#السودان #الصمغ_العربي #اقتصاد_السودان #كردفان #الغابات #أخبار_السودان #حـ.ـرب_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #الصادرات_السودانية #البيئة #التصحر #الأمن_الاقتصادي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.