مع تفاقم الحـ.ـرب واتساع جغرافيتها.. هل تطالب الثروة الحيوانية بحق اللجوء السياسي؟

صحيفة الهدف

د. عصام علي حسين 

بما أن 90% من القطيع القومي -المقدر بنحو 111.8 مليون رأس- يعتمد في غذائه على المراعي الطبيعية، فمن الطبيعي أن تكون “البداوة” هي نمط الحياة السائد في السودان. يعتمد الرعي المتنقل كاستراتيجية تكيفية لمواجهة شح المياه ونقص الكلأ، في رحلة لا تخلو من تحديات أمنية ومناخية.

إلا أن هذه التحديات تفاقمت بشكل دراماتيكي بعد اندلاع حـ.ـرب 15 أبريل، وتصاعد العمليات العسـ.ـكرية خاصة في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق؛ حيث واجه قطاع الثروة الحيوانية صدمات غير مسبوقة انعكست على الإنتاج، والصحة البيطرية، وسلاسل الإمداد، مما جعل مستقبل أهم القطاعات الاقتصادية في السودان مهدداً بشكل كبير.

مسارات الرعي.. من “المخارف” إلى ممرات المـ.ـوت

قبل الحـ.ـرب، كانت حركة الرعاة نشطة طوال العام عبر رحلتي “المصايف والمخارف”. أما اليوم، فقد أُجبر الرعاة على استبدال المسارات الآمنة بمسارات بديلة تعرّضوا فيها لعمليات نـ.ـهب واسعة، ونفوق أعداد كبيرة من مواشيهم بسبب صعوبة الوصول للمياه.

كما أدت المـ.ـواجهات العسـ.ـكرية المباشرة إلى نفوق أعداد ضخمة جراء تـ.ـساقط القـ.ـذائف وانفجـ.ـار الألغام، فضلاً عن حـ.ـرائق المراعي التي قلّصت المساحات الرعوية، فاضطرت القطعان للتمركز في رقعة جغرافية محددة اتسمت بفقر المراعي وشح المياه، مع انعدام الأسواق لتصريف الفائض وتغطية المنصرفات اليومية.

شلل الصادر ومنظومة اللوجستيات

عطلت الحـ.ـرب منظومة الصادر التي كانت تمر بمراحل منظمة (تجميع، تفتيش، تحصين، حجر بيطري). إن المـ.ـخاطر الأمنية، وانقطاع الطرق، وارتفاع التكاليف، وفرض رسوم جديدة، أدت إلى تقليص الصادر لأدنى مستوياته، مما كبّد الرعاة والتجار خسائر فادحة.

وقد تعقد المشهد بصدور قرارات تمنع مرور الصادرات بين مناطق السيطرة المختلفة، مما دفع المربين لاتخاذ طرق وعرة زادت من تكلفة الإنتاج والمـ.ـخاطر.

الهروب والتهريب.. الكارثة الاقتصادية

في خضم هذا الواقع المأساوي، هرب كثير من مربي الماشية إلى دول الجوار بحثاً عن الأمن والخدمات البيطرية، كما نشطت شبكات التهريب عبر مسارات غير نظامية. إن هروب الماشية إلى دول الجوار يُعد كارثة اقتصادية مدمرة:

  • فقدان المورد: تتحول الثروة من مورد وطني إلى خسارة مباشرة للاقتصاد.

  • نزيف العملة: ضياع حصائل الصادر من العملات الأجنبية المعوّل عليها لدعم الخزينة.

  • ضياع القيمة المضافة: انتقال تصنيع الجلود والمنتجات الثانوية إلى اقتصادات دول الجوار.

  • الأمن الغذائي: زيادة الاعتماد على استيراد اللحوم وارتفاع أسعارها محلياً، مما يزيد الضغوط التضخمية على المواطن.

خلاصة الواقع

إن آثار الحـ.ـرب الكارثية ضربت عمق الاقتصاد السوداني عبر عمليات الهروب والتهريب والنشاط غير المنظم. ويبقى إيقاف الحـ.ـرب هو التحدي الماثل والشرط الأساسي لاستعادة هذا القطاع الحيوي. إنقاذ الثروة الحيوانية مرهون بتحسن الوضع الأمني وفتح الطرق واستقرار سياسات الصحة البيطرية، وهو ما يتطلب حلولاً عاجلة وتضافراً دولياً ومحلياً لإنقاذ ما تبقى من “الرصيد القومي” للسودانيين.

#السودان #الثروة_الحيوانية #اقتصاد_السودان #أخبار_السودان #حـ.ـرب_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #الأمن_الغذائي #الصادرات_السودانية #التهريب #لا_للحرب #الثروة_الحيوانية_السودانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.