أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
تمهيد:
ليست الدولة في جوهرها حدودًا مرسومة، ولا مؤسسات قائمة، بل هي علاقة ثقة غير مرئية بين الإنسان والسلطة. وحين تُبنى المؤسسات قبل هذه العلاقة، تتحول الدولة إلى هيكل بلا روح، وإلى قانون بلا شرعية، وإلى حضور رسمي بلا معنى يومي في حياة الناس. هذا المقال محاولة لفهم: لماذا فشلنا في تحقيق مفهوم الدولة الحقيقي؟ ولماذا بقيت دولتنا بعيدة عنا كجدران صماء، لا ككيان حي يسكن وجداننا؟
أولاً: البداية من السقف (حين بنينا قبل أن نهيئ الأرض):
الخطأ الأول، والأخطر، أننا بدأنا بناء الدول من فوق. صُنعت مؤسسات قبل أن يُصنع مواطنون. وكُتبت الدساتير قبل أن تُكتب عقود اجتماعية. وأُقيمت جيوش ووزارات وبرلمانات، لكن لم يُهيأ (العقل الجمعي) ليتسع لهذا البناء. ما هي النتيجة؟ دولة بلا روح. إطار بلا مضمون. اسم رسمي لا يحس به المواطن في يومياته.
المواطن العربي لا يشعر أن الدولة (له). يراها كياناً غريباً، يأخذ منه الضرائب، ويمنحه الخدمات (إن مُنحت)، ويطلب منه الطاعة، لكنه لا يشعر بأنه شريك فيها. وهذا هو جوهر المشكلة؛ فالدولة الحقيقية تقوم على الشراكة، وليس فقط على الطاعة. عندما يغيب الشعور بالشراكة، تتحول الدولة إلى (آلة إدارية) باردة. والمواطن، بدلاً من أن يكون فاعلاً، يصبح متلقياً. وبدلاً من أن يكون سيداً، يصبح عبداً للبيروقراطية.
ثانياً: غياب العقد الاجتماعي (الشراكة المفقودة):
في النظريات السياسية الحديثة، من (هوبز إلى روسو إلى لوك)، تقوم الدولة على عقد اجتماعي بين الناس وبعضهم، وبين الناس والسلطة. هذا العقد ليس وثيقة قانونية فقط، بل هو ثقة متبادلة: أنا أتنازل عن جزء من حريتي مقابل أن تحميني الدولة، وأنا أدفع الضرائب مقابل أن توفر لي الدولة الخدمات، وأنا أطيع القانون مقابل أن يكون القانون عادلاً ويُطبق على الجميع.
فالمشكلة في الوطن العربي ليست في غياب النصوص الدستورية، بل في غياب التجربة الحية للعقد. فالعقد الاجتماعي لا يُكتب فقط، بل يُمارس يوميًا عبر العدالة، والمساءلة، وتكافؤ الفرص. وحين تغيب هذه الممارسة، يتحول العقد إلى وثيقة شكلية لا تنتج ثقة.
في الوطن العربي، هذا العقد غير مكتمل في الأغلب الأعم، ليس لأنه لم يُكتب، بل لأنه لم يُعش. غابت الثقة بين الناس والسلطة، فحلّ محلها الخوف والريبة والتبعية. والسلطة، بدلاً من أن تشعر أنها (وكيلة) عن الشعب، شعرت أنها (سيدة) على الشعب. وهكذا، صارت الدولة كائناً غريباً، لا يعرف المواطن كيف يتعامل معه. بعضهم يخافها، وبعضهم يتجنبها، وبعضهم يحاول (التفاهم) معها بالواسطة والمحسوبية، وقليل من يشعر أنها (بيته).
ثالثاً: الدولة أم النظام؟ (الخلط الذي أفقد الدولة استمراريتها):
من أخطر الأخطاء في وعينا السياسي هو الخلط بين الدولة والنظام.
الدولة هي الكيان الدائم (الشعب، الأرض، المؤسسات الدستورية، الهوية الجامعة). إنها الإطار الذي تتحرك فيه الحياة السياسية.
النظام هو السلطة الحاكمة في لحظة زمنية معينة: رئيس، حكومة، برلمان، حزب. إنه شيء يتبدل ويتغير.
في الدول المستقرة، يتبدل النظام، لكن الدولة تبقى. الانتخابات تغير الحكام، لكن مؤسسات الدولة تستمر. أما في وطننا العربي، فكل تغيير سياسي يتحول إلى زلزال يهز أركان الدولة، وكأن الدولة لا تزيد على كونها (النظام). فإذا تغير النظام، انهارت الدولة، وإذا سقط الرئيس، أصيبت الدولة بالشلل.
وهذا لأن المؤسسية غائبة. ليس هناك (جدار حماية) يفصل بين تقلبات السياسة وثبات الدولة. لقد صرنا نتحدث عن الدولة كأنها (شخص) يغضب ويرضى، ينتقم ويكافئ، وهذا تجسيد خطير. الدولة ليست شخصاً، الدولة هي منظومة، وعندما تتحول إلى (شخص)، فإنها تفقد استمراريتها، لأن الأشخاص يموتون أو يتغيرون.
رابعاً: الاقتصاد والأمن القانوني (ركيزتان مفقودتان):
لا يمكن لدولة أن تقوم بلا اقتصاد قوي، ولا يمكن لاقتصاد أن يقوى بلا أمن قانوني، ولا يمكن لأمن قانوني أن يتحقق إذا كان القانون لا يُطبق على الجميع (بمسطرة واحدة).
في فترات طويلة من تاريخنا العربي الحديث، كان الاستثناء هو القاعدة: استثناءات للمقربين من السلطة، استثناءات لأصحاب النفوذ، استثناءات للمتعاملين مع الأجهزة الأمنية. هذا القتل المنهجي لفكرة (سيادة القانون) هو الذي قتل فكرة الدولة كمنظومة.
المواطن العادي، عندما يرى أن فلاناً من أبناء الوزير يفلت من العقاب، وسائق التاكسي يُسجن لذنب صغير، فإنه يفقد ثقته في الدولة بأكملها، ليس لأنه ضد القانون، بل لأنه يرى أن القانون ليس (واحداً للجميع). وعندما تفقد الدولة هذه الثقة، فإنها تفقد شرعيتها اليومية، وتتحول إلى (جهة خدمات) لا أكثر.
خامساً: أزمة الهوية (دولة بلا بوصلة):
لكن أخطر أزمة تواجه الدولة الوطنية العربية هي أزمة الهوية. لم يُتفق بعد: هل الدولة (دولة مواطنة) (جميع المواطنين متساوون بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم أو عرقهم)؟ أم (دولة طائفة) (تمثل طائفة معينة وتهمش الأخرى)؟ أم (دولة عشيرة) (تحكمها العصبية القبلية)؟ أم (دولة حزب) (حزب واحد يسيطر على كل شيء)؟ أم (دولة رسالة) (تحمل مشروعاً قومياً أو دينياً يتجاوز حدودها)؟
هذا الارتباك في تحديد ما هي الدولة انعكس على كل شيء: الدستور، القوانين، التعليم، الإعلام، العلاقة بين الحاكم والمحكوم. كل قطر حاول أن يكون شيئاً، وهو نفسه لا يعرف ماذا يكون. والنتيجة هي مجموعة مؤسسات تعمل، لكن لا مشروع حضاري؛ دولة قائمة، لكن بلا بوصلة.
الأزمة ليست فقط في تعدد الهويات، بل في غياب الإطار الذي ينظمها. فالدولة الحديثة لا تلغي الهويات الفرعية، بل تعيد ترتيبها داخل إطار المواطنة. المشكلة في كثير من التجارب العربية أنها لم تحسم العلاقة بين (المواطنة) و(الانتماءات الفرعية)، فبقيت الدولة معلقة بين نموذج مدني لم يكتمل، ونموذج تقليدي لم يعد صالحًا.
سادساً: الخوف من الحرية (حين يصبح السؤال تهديداً):
الدولة الحديثة، في جوهرها، مبنية على حق السؤال وحق المساءلة. الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي ثقافة؛ ثقافة أن يحق لي أن أسأل من يحكمني، وأن أنقده، وأن أختلف معه، وأن أطلب منه تفسيراً لقراراته.
في مجتمعنا العربي، كان هناك خوف كبير من السؤال. السلطة تخاف من النقد، وتعتبر أي صوت مختلف (خيانة)، أو (فتنة)، أو (تآمراً خارجياً)، والمجتمع بدوره تعلّم أن (الأسئلة الكبيرة) ممنوعة، وأن الأمان في الصمت، وأن الخطر في الكلام.
هذا الخوف قتل روح الدولة. فالدولة القوية ليست التي تخاف من النقد، بل التي توسع مساحة النقد، لأنها واثقة من نفسها. الدولة التي تخاف من صوت مختلف هي دولة مريضة، تعاني من هشاشة داخلية تجعلها تظن أن أي نقد سيؤدي إلى انهيارها. لكن الحقيقة عكس ذلك، لأن الكبت يولد الانفجار، والصوت المسموع يخفف الاحتقان، والنقد العلني يبني ثقة أكبر من الصمت المطبق.
فالخوف من الحرية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو بنية نفسية تراكمت عبر عقود من القمع وعدم الاستقرار. ولذلك، فإن بناء الدولة الحديثة لا يتطلب فقط إصلاح المؤسسات، بل إعادة بناء العلاقة النفسية بين المواطن والسلطة.
سابعاً: غياب الخيال السياسي (حين أطفأنا الحلم):
في العمق، الدولة هي مشروع خيال؛ هي حلم جماعي يتشاركه الناس. ليست مجرد إدارة للمرافق، بل هي رؤية للمستقبل، وشعور بالانتماء، وأمل في غد أفضل.
لكننا، في وطننا العربي، انشغلنا بإطفاء حرائق يومية: حرب هنا، أزمة اقتصادية هناك، انفجار اجتماعي في مكان ثالث. انشغلنا بإدارة الأزمات حتى انطفأ الخيال نفسه، وصرنا نعيش من يوم ليوم، من أزمة لأزمة، من تهديد لتهديد.
وهكذا، صارت الدولة عند كثير من الناس مجرد (جهة خدمات): تدير المرور، توزع الكهرباء، تصرف الرواتب (إن قدرت). أما فكرة الدولة كمشروع حضاري، كحلم جماعي، كمستقبل نبنيه معاً، فهذه غابت تماماً.
يقول المفكر البولندي زيجمونت باومان إن (السائلية/السيولة) هي سمة عصرنا، فكل شيء يتغير بسرعة، والأطر الثابتة تذوب. لكن السؤال: إذا كانت الأطر تذوب، فبماذا نتمسك؟ الإجابة التي يقدمها هذا المقال هي: بالحلم الجماعي. فالدولة بلا خيال هي مجرد إدارة للمرافق، والدولة بالخيال هي مشروع نهضة.
الدولة التي تفقد خيالها تفقد مستقبلها، فكل مشروع نهضوي يبدأ كفكرة قبل أن يصبح مؤسسة. وحين يتحول الواقع إلى إدارة أزمات فقط، ينطفئ الحلم، وتتحول الدولة إلى جهاز بقاء لا مشروع تقدم.
ثامناً: نحو استعادة العقد (كيف نبدأ من جديد؟):
الحل ليس في (تحسين الأداء) فقط، بل في إعادة بناء العقد الاجتماعي من جديد، ليس على الورق فقط، بل في الوعي الجمعي. فإعادة بناء الدولة لا تبدأ من القمة، بل من إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والوطن. إنها عملية مزدوجة تتمثل في بناء مؤسسات عادلة، وبناء وعي يرى في هذه المؤسسات امتدادًا له لا سلطة فوقه.
- مواطن واعٍ: الدولة القوية تحتاج إلى مواطن واعٍ، ليس مجرد (ناخب) يصوت كل بضع سنوات، بل إنسان يعرف حقوقه ويطالب بها، ويعرف واجباته ويؤديها، ويمتلك روح النقد البناء، ويشعر أنه شريك في هذا الوطن. فبناء المواطن يبدأ بالتعليم (تعليم حقيقي، لا حشو معلومات)، وبالإعلام (إعلام حر يسأل وينقد)، وبالممارسة (أن يشارك المواطن فعلاً في قرارات تهمه).
- دولة عاقلة: الدولة العاقلة ليست التي (تغضب) و(ترضى)، بل هي نظام من المؤسسات والقوانين والإجراءات التي تعمل بثبات واستمرارية، بغض النظر عن الأشخاص الذين يديرونها مؤقتاً. دولة تقوم على سيادة القانون (القانون فوق الجميع، بمسطرة واحدة)، وعلى الفصل بين السلطات، وعلى استقلال القضاء، وعلى احترام حقوق الإنسان.
لكن (العقلنة) لا تعني فقط سيادة القانون والمؤسسات، بل تعني أيضاً قدرة الدولة على التعلم من أخطائها. فالدولة غير العاقلة هي التي تكرر الأخطاء ذاتها: ثورة تلحقها ثورة، انقلاب يتبعه انقلاب، أزمة اقتصادية تعقبها أزمة أعمق. والدولة العاقلة هي التي تراكم الخبرات بدلاً من أن تبدأ من الصفر كل مرة. وهذا هو جوهر (المؤسسية): ألا يتوقف عمل الدولة عندما يتغير الرئيس، وألا تُحرق المنجزات مع كل تحول سياسي. - قانون واحد: لا يمكن لدولة أن تقوم إذا كان هناك (قوانين) متعددة: قانون لأبناء الوزراء، وقانون للفقراء، قانون للطائفة الحاكمة، وقانون للمهمشين، قانون لأصحاب النفوذ، وقانون للضعفاء. الدولة الحقيقية هي دولة المسطرة الواحدة، الجميع سواسية أمام القانون. عندها فقط يشعر المواطن بالعدالة، وعندها فقط يثق في الدولة.
- اقتصاد وطني لكن عادل: الاقتصاد ضروري للنمو، لكن ليس كل انفتاح يؤدي إلى تنمية. الدولة القوية هي التي تستطيع أن توازن بين الانفتاح (جذب الاستثمارات، تشجيع التجارة) والحماية (حماية الصناعة الوطنية، حماية العمال، حماية المستهلك). اقتصاد عادل هو اقتصاد يخلق فرص عمل للجميع، ويوزع الثروة بشكل لا يترك الملايين تحت خط الفقر.
- هوية واضحة لا تخجل من التنوع: الهوية الوطنية لا تعني (التطابق)، بل تعني (الوحدة في التنوع). أنا مصري أو سوداني أو عراقي أو سوري أو تونسي أو سعودي، وفي الوقت نفسه أنا جزء من هوية أكبر (عربية، إنسانية). الدولة التي تخجل من تنوعها (العرقي، الديني، المذهبي، الثقافي) هي دولة ضعيفة، أما الدولة القوية فهي التي تحتضن التنوع وتجعله مصدر قوة لا مصدر ضعف.
نحن لا ندعو إلى استنساخ تجارب الآخرين، فلكل مجتمع خصوصيته. لكن الإشارة إلى نماذج نجحت في تجاوز أزمات مشابهة قد تكون مفيدة. فإستونيا، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، كانت دولة فقيرة بلا تاريخ حديث في الحكم المستقل. اليوم هي واحدة من أكثر الدول رقمنة في العالم، ومواطنوها يثقون بمؤسساتها. كيف فعلت ذلك؟ ببناء (دولة رقمية) شفافة، وبإشراك المواطنين في صنع القرار عبر منصات إلكترونية، وبمحاربة الفساد عبر الشفافية الكاملة.
رواندا، بعد الإبادة الجماعية، كانت دولة مدمرة ممزقة بالصراعات العرقية. اليوم هي واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا، ونسبة تمثيل المرأة في برلمانها هي الأعلى في العالم. كيف فعلت ذلك؟ بمصالحة وطنية جريئة، وبتركيز على التنمية بدلاً من الانتقام، وببناء مؤسسات قوية على أنقاض الفوضى.
هذه النماذج لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تقدم دليلاً على أن النهوض ممكن، حتى بعد أسوأ الكوارث. ما نحتاجه ليس معجزة، بل إرادة.
تاسعاً: في الفكر البعثي (الدولة كأداة لا غاية):
قبل أن نختم، يجدر بنا أن نتوقف عند رؤية نادرة في الفكر السياسي العربي، هي رؤية حزب البعث العربي الاشتراكي للدولة، كما وردت في تقريره السياسي للمؤتمر القومي الثالث عشر (يناير 2026).
لا ينظر البعث إلى الدولة القطرية على أنها (غاية نهائية)، بل على أنها (أداة تاريخية) لتحقيق أهداف أوسع تتمثل في الوحدة، الحرية، الاشتراكية. ذلك أن الأمة العربية هي الوجود الحقيقي، والدولة القطرية ليست أكثر من إطار مرحلي نشأ تحت وطأة الاستعمار وتجزئة الوطن العربي.
لكن التقرير يعترف بواقع مرير، وهو أن مرور الزمن على وجود الدولة القطرية خلق (عصبية من نوع ما)، أي شعوراً بالانتماء والارتباط بهذه الدولة الصغيرة. كما أن توسع مهام الدولة (من الحماية والعدالة إلى التنمية والرفاه الاجتماعي) منحها قوة على البقاء، وجعل تجاوزها أكثر صعوبة.
وهنا تكمن المفارقة التي يعالجها التقرير: كيف يمكن التوفيق بين (الواقع القطري) و(الطموح القومي)؟
الجواب الذي يقدمه التقرير هو: (المصلحة الوطنية وسط المصلحة القومية)، أي أن الدولة القطرية لا يمكن أن تحقق أهدافها الوطنية (التنمية، الرفاه، الأمن) بمعزل عن المظلة القومية. فالسيادة في عالم اليوم لم تعد تعني الانعزال، بل القدرة على التفاوض من موقع قوة، والتحكم في حدود التأثير الخارجي.
وفيما يتعلق بـ(أزمة الهوية)، يقدم البعث رؤية واضحة: الهوية الجامعة هي الهوية القومية العربية، القائمة على اللغة والتاريخ والحضارة والثقافة والمصير المشترك. لكنه في الوقت نفسه يؤكد على (الدولة المدنية) و(المواطنة) كأساس للحكم.
كما يقول التقرير: (يجب التأكيد على مسألة مدنية الدولة، وإزالة كل الالتباسات التي يُلحقها البعض بفكرة العلمانية من خلال إعطائها أبعاداً معادية للتدين والظاهرة الدينية؛ كان حزبنا حاسماً في رفضها والابتعاد عنها).
هذا تمييز دقيق بين (الدولة المدنية) (التي تحترم الدين كحالة روحية ساهمت في تكوين الشخصية المجتمعية) و(العلمانية المتطرفة) (التي تعادي الدين).
خلاصة الرؤية البعثية تتمثل في أن الدولة الحقيقية هي التي تجمع بين: السيادة (كقدرة على اتخاذ القرار المستقل)، والعدالة الاجتماعية (كأساس للتماسك الداخلي)، والمواطنة (كجامع للجميع فوق العصبيات الفرعية)، والانتماء القومي (كإطار أوسع يحمي الدولة من الاختراق والتفكك).
وإذا فقدت هذه البوصلة، تحولت الدولة إلى (جهاز قمع) أو (مافيا فساد) أو (ساحة صراع طائفي)، وهو ما نراه في الكثير من الأقطار العربية اليوم.
خاتمة:
الدولة الحقيقية ليست التي تخيفنا، بل التي نأمن فيها. ليست التي تطلب منا الطاعة، بل التي نعطيها الانتماء طواعية. ليست التي نخدمها خوفاً، بل التي تخدمنا لنخدمها. الدولة التي نحلم بها هي دولة:
- تعطيك حقك قبل أن تطلبه.
- وتأخذ واجبك بلا تهديد.
- وتحميك بلا إذلال.
- وتخدمك بلا منّة.
- وتسألك عن رأيك لأنها تحترم عقلك.
- وتختلف معك في الرأي دون أن تعتبرك عدواً.
- وتخطئ وتعترف بخطئها لأنها واثقة من نفسها.
هذه الدولة لم نصنعها بعد، لكن يمكننا أن نبدأ في صنعها اليوم؛ ليس بثورة تطيح بنظام، ولا بخطاب حماسي يلهب المشاعر، بل بإعادة بناء العقد الصغير في كل يوم، حين نطالب بحقوقنا دون خوف، ونؤدي واجباتنا دون تذمر، ونحترم القانون لأنه يحمينا لا لأنه يرهبنا، وننقد الحاكم دون أن نخشى سجناً، ونختلف مع جارنا دون أن نقطع صلته.
عندها فقط سنقول بضمير مرتاح: هذه دولتي، وهنا وطني. وفي هذه اللحظة سنكون قد بدأنا رحلة الألف ميل. فهل نبدأ؟

Leave a Reply