قراءة في دراسة: (الفيتوري.. أحادي اللون رباعي الأبعاد) لشادية حامد

صحيفة الهدف

ندى أوشي

تقدّم هذه الدراسة التي أنجزتها شادية حامد، والمعنونة (الفيتوري.. أحادي اللون رباعي الأبعاد)، مشروعًا نقديًا يتجاوز حدود القراءة الأدبية التقليدية إلى تفكيك بنية شاعر يُعدّ من أكثر الأصوات العربية والإفريقية تركيبًا وتوترًا في القرن العشرين. أهميتها لا تكمن فقط في تتبّع مسار الفيتوري، بل في إعادة بناء هذا المسار بوصفه منظومة فكرية وجمالية متشابكة، تُنتج شاعرًا لا يقف داخل هوية واحدة، بل يتحرك داخل شبكة من الهويات المتداخلة.
وتتقدم هذه المقاربة بوصفها رحلة معرفية داخل عالم الفيتوري، حيث لا يُقرأ النص الشعري بمعزل عن تاريخه الاجتماعي والسياسي والروحي، بل يُفهم باعتباره انعكاسًا لصراع وجودي ممتد بين إفريقيا والعروبة، بين المنفى والانتماء، بين الجسد والروح، وبين التاريخ والأسطورة. ومن هنا تتحول هذه الدراسة إلى ما يشبه “الخريطة التأويلية” التي تعيد رسم موقع الفيتوري داخل الشعر العربي الحديث، لا كاسم ضمن قائمة، بل كحالة شعرية كبرى تتجاوز التصنيف.
إن القيمة المركزية لهذا العمل النقدي تكمن في كونه لا يتعامل مع الفيتوري بوصفه شاعرًا مكتمل التعريف، بل بوصفه كائنًا شعريًا مفتوحًا، يتشكل باستمرار عبر أربعة مسارات كبرى: الزنوجة، الثورة، العروبة، والتصوّف. وهذه الأبعاد ليست طبقات منفصلة، بل بنية متداخلة تتفاعل داخل النص الشعري نفسه، بحيث يصبح كل بعد منها نافذة على الآخر، وكل توتر بينها جزءًا من هوية الفيتوري الجمالية.
تفكيك مركزية الهوية: الفيتوري ككيان تخومي
تذهب الدراسة إلى تفكيك فكرة “الهوية الواحدة”، وتستبدلها بمفهوم “الشاعر التخومي”، أي الشاعر الذي لا يعيش داخل مركز ثقافي ثابت، بل على الحواف بين المراكز. هذا المفهوم يُعدّ من أهم مفاتيح القراءة، لأنه ينقل الفيتوري من كونه شاعر انتماء إلى شاعر حركة دائمة داخل الجغرافيا واللغة والرمز.
فالفيتوري، وفق هذا التصوّر، ليس سودانيًا أو ليبيًا أو عربيًا أو إفريقيًا فقط، بل هو مجموع هذه الانتماءات في حالة توتر دائم. وهذا التوتر ليس ضعفًا، بل مصدر إنتاج شعري، إذ تتحول الهوية المتعدّدة إلى طاقة جمالية تعيد صياغة اللغة الشعرية نفسها.
الذاكرة الأصلية: الطفولة بوصفها بنية رمزية
تتوقف الدراسة عند البنية التكوينية المبكرة، لا باعتبارها سيرة ذاتية، بل باعتبارها “ذاكرة شعرية مؤسسة”. فطفولة الفيتوري في فضاء صوفي مشبع بالإنشاد والحلقات الدينية ليست مجرد خلفية ثقافية، بل هي الأصل الإيقاعي لشعره لاحقًا.
كما أن حكاية الجدة (زهرة)، بما تحمله من تجربة العبودية والتحرر، تتحول إلى رمز تأسيسي يعيد إنتاج علاقة الفيتوري بالتاريخ الإفريقي بوصفه تاريخ قهر ومقاومة في آن واحد. هنا يصبح النص الشعري امتدادًا لذاكرة جماعية لا فردية، ويغدو الشاعر وسيطًا بين التاريخ الغائب وصوته المستعاد.
اللغة بوصفها صراعًا بين التراث والحداثة
تقدّم الدراسة تحليلًا دقيقًا لبنية اللغة عند الفيتوري، حيث تُفهم لغته بوصفها ساحة صراع بين بلاغة تراثية موروثة من القرآن والتصوّف والشعر الكلاسيكي، وبين حساسية حداثية تميل إلى التكسير والتجديد.
هذا التداخل لا يُنتج ازدواجية بسيطة، بل يخلق لغة هجينة، قادرة على حمل التناقضات: لغة تجمع بين الخطاب الثوري المباشر والرمز الصوفي، وبين النبرة الخطابية العالية والانكسار الداخلي. ومن هنا يصبح الإيقاع عند الفيتوري ليس مجرد عنصر موسيقي، بل بنية فكرية تعكس حركة التاريخ ذاته.
البعد الإفريقي: إعادة كتابة التاريخ من الهامش
في هذا المستوى، تُبرز الدراسة أن الفيتوري لا يكتب عن إفريقيا بوصفها موضوعًا خارجيًا، بل بوصفها مركزًا بديلًا للتاريخ. إنه يعيد إنتاج إفريقيا لا كـ”هامش معذب”، بل كفضاء مقاومة وكرامة.
وتتحول مفردات مثل (الزنجي، الطبول، الأرض، الدم، الشمس) إلى نظام دلالي يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتاريخ. فبدل أن يكون اللون الأسود علامة نقص، يصبح علامة حضور ووعي ومواجهة.
وهنا تتقاطع الشعرية مع الأيديولوجيا، لكن دون أن تفقد بعدها الجمالي، إذ تظل القصيدة عند الفيتوري مشحونة بالمعنى دون أن تتحول إلى خطاب مباشر.
البعد الثوري: الشعر بوصفه اشتباكًا مع السلطة
تُبرز القراءة أن الفيتوري لا ينتمي إلى الشعر السياسي التقليدي، بل إلى شعر “الاشتباك”، حيث تتحول القصيدة إلى فعل مقاومة رمزي ضد السلطة بكل أشكالها: السياسية، الاستعمارية، وحتى الرمزية الثقافية.
ويُلاحظ أن الفيتوري يستدعي رموز التحرّر العالمي، لكنه لا يفعل ذلك بوصفه توثيقًا، بل بوصفه إعادة تشكيل للوعي الجمعي حول فكرة الحريّة.
التصوّف: من الصراع إلى التأمل
في مرحلة لاحقة، تتحول تجربة الفيتوري إلى أفق صوفي، حيث يتراجع الخطاب الصدامي لصالح تأمل وجودي أعمق. لكن هذا التصوّف ليس انسحابًا من الواقع، بل إعادة تفسير له من الداخل.
فالدرويش عند الفيتوري ليس زاهدًا سلبيًا، بل كائنًا يواجه العالم عبر الذوبان فيه، لا الهروب منه. وهنا يتحول الشعر إلى رحلة داخل الذات بقدر ما هو رحلة في التاريخ.
خاتمة تحليلية: نجاح نقدي في تفكيك الكل الشعري
في ضوء هذا التراكم التحليلي، يمكن القول إن هذا العمل النقدي نجح بوضوح في تشريح تجربة الفيتوري وإحاطتها من زوايا متعدّدة، دون الوقوع في اختزالها أو تجزيئها. فقد استطاعت الباحثة أن تقدّم نموذجًا قرائيًا متماسكًا يُعيد تركيب الفيتوري بوصفه منظومة شعرية كاملة، لا مجرد شاعر موضوعي.
كما أن قوة هذا العمل تكمن في قدرته على تحويل الفيتوري من “اسم أدبي” إلى “بنية فكرية – جمالية”، تُقرأ عبر التداخل بين السيرة والتاريخ واللغة والأسطورة. ومن ثم، فإن أهم ما تحققه هذه المقاربة هو أنها لا تفسّر الفيتوري فقط، بل تفتح إمكانية جديدة لقراءته مستقبلًا بوصفه نصًا مفتوحًا على التأويل المستمر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.