توتا صلاح مبارك
كان محمد مفتاح الفيتوري يمشي في العالم كما لو أنه لا ينتمي إليه بالكامل، لا الأرض كانت تتسع لخطاه، ولا السماء كانت قريبة بما يكفي لتمنحه طمأنينة العابرين. فبين إفريقيا التي سكنت جذوره، والعالم العربي الذي احتضن لغته، تشكّل صوته الشعري نداءً صارخًا للحرية، نداءً لا تحبّه السلطات، وتخشاه.
لم يكن الفيتوري شاعرًا يكتب من قمةٍ متعالية، بل كان ينزل إلى قلب الجرح، يلامس تاريخًا مثقلًا بالعبودية والاستعمار، ويعيد صياغته بلغةٍ ملتهبة. في قصائده، لم تكن إفريقيا رقعة أرض، بل كرامةً مهدورة تستعيد ذاتها، وكان الإنسان محور هذا التغنّي.
لذلك لم يكن غريبًا أن يتقاطع صوته مع رياح القومية العربية وحركات التحرّر، وأن يصبح الشعر عنده موقفًا بقدر ما هو فن.
ولا يغيب عن الوجدان العربي قصيدته الفذة (يأتي العاشقون إلى بغداد) التي ألقاها في قصر المؤتمرات ببغداد في إحدى دورات مهرجان المربد الشعري في ثمانينات القرن العشرين، وفيها يقول:
أرأيتِ يا بغداد؟
يأتي العاشقون إليكِ
مثقلةٌ حقائبهم بماء البحر ..
والصدف الشتائي القديم ..
وزنبق الأمطار
يأتي البحر ذو الرايات
فوق خيوله الزرقاء
مسبوقًا بأجنحةٍ مباغتةٍ من الأنوار
تأتي الشمس حاملةً كؤوس رحيقها الأزليُّ
ليل نهار
يأتي الشعر والشعراء
في زمن انشطار الضوء، يأتي الشعر والشعراء
شاخصةً نواظرهم، إلى بغداد
سلمتِ يا ياقوتة المنصور
لكن الطريق إلى الحرّية لم يكن مستقيمًا. اقترب الفيتوري من السلطة بقدر ما ابتعد عنها، ودخل أروقة الدبلوماسية، خاصة في ليبيا زمن معمر القذافي، حيث ظل السؤال معلقًا: هل يمكن للشاعر أن يحتفظ بنقائه داخل السلطة؟
في السودان، حيث الجذور الأولى، ظلّت العلاقة بالوطن ملتبسة، حتى جاءت لحظة إسقاط الجنسية عنه في عهد جعفر نميري، على خلفية مواقفه السياسية، ورثائه لعبدالخالق محجوب ورفاقه في قصيدته الشهيرة، التي قال فيها:
لا تحفروا لي قبرًا
سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرا
لاحقًا، وجد الفيتوري ملاذًا في ليبيا، ثم فقده بعد سقوط نظام القذافي، وكأن الانتماء في حياته لم يكن ثابتًا، بل مؤقتًا تمنحه الدول وتسحبه القرارات. لكن ما لم يُسحب منه أبدًا هو صوته. ظل ممتلئًا بحنينٍ وغضبٍ نبيل، يكتب من موقعٍ يتجاوز الحدود، ويعيد تعريف الهوية بوصفها تجربة وجود لا وثيقة دولة.
وفي النهاية، بقي الفيتوري كما أراد له شعره: شاعرًا لا يُقاس بجنسيته، بل بقدرته على أن يبقى حرًا، حتى حين تُغلق في وجهه الأوطان.

Leave a Reply