الفيتوري صوت إفريقيا

صحيفة الهدف

شوقي بزيع

لم يفتأ الشعراء العرب يرحلون عن هذا العالم واحدًا بعد الآخر، وإذ يغيبون بوتيرة متسارعة يدفعوننا إلى الاعتقاد أن رحيلهم ليس ضربًا من ضروب الصدفة أو الموت العادي، بل هو أقرب إلى الانتحار أو القرار المدروس أو الاستسلام من دون مقاومة للموت الذي طالما تحدّوه بالكتابة ورفضوا الإذعان لأشباحه السوداء وكوابيسه المرعبة، هكذا تكاد الساحة الشعرية تخلو من فرسانها الكبار وروادها الأوائل منذ رحيل الجواهري والبردوني ونزار قباني والبيّاتي والحيدري والماغوط ومحمود درويش، ووصولًا إلى شعراء الأجيال اللاحقة كأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر وممدوح عدوان ومحمد القيسي وآخرين غيرهم، وفي ظل هذا الغياب المتكّرر والمأساوي للأسماء التي صنعت مجد الشعر العربي المعاصر، بشقيه التقليدي والحديث، نشعر بأن شطرًا غير قليل من ذاكرتنا ووجداننا وينابيعنا التخييلية الثرية قد ذهب بذهابهم وأن الأماكن التي أخلوها سيصعب حتى زمن طويل أن يشغلها أحد.. يجيء غياب الشاعر السوداني محمد الفيتوري بهذا المعنى في السياق نفسه لغياب الشعراء الآخرين من مجايليه، أو الذين أتوا بعده. ومع ذلك فهو غياب متوقّع وغير مباغت، كما كانت الحال مع زملاء له ضربهم الموت على حين غرّة ومن دون أي مقدّمات.
أقول ذلك لو تخفيفًا من صدمة موت الشاعر الذي ظل شعره وحضوره يبهرانني لزمن غير قليل، بل لسببين اثنين على الأقل، يتعلّق أولهما بوقوع الشاعر منذ عقد ونصف تحت وطأة مرض واهم أتلف الكثير من حيويته المعهودة وأصابه بعجز عن الحركة شبه كامل، ويتعلّق ثانيهما بتوقّفه عن الكتابة منذ ما يزيد على العشرين عامًا، عدا استثناءات قليلة لا تقدم ولا تؤخر في مسيرته وإنجازه، هكذا قدر لصاحب (اذكريني يا إفريقيا) أن يموت مرتين بالسكتة الإبداعية ومرة بعجز الجسد الواهن عن الاستمرار في التحايل على الموت.
على أنه ليس من النزاهة في شيء ألا نتوقّف عند ذلك الشاعر الشاب القادم من أرض السودان قبل خمسة عقود ليحمل على كاهله عبء معاناة إفريقيا السوداء وأحلام قارة كاملة من الجوع والاضطهاد والتمييز العنصري، ليس من النزاهة في شيء ألا نقر بحقيقة كون الفيتوري هو إضافة إلى انتمائه العربي، شاعر الزنوجة بامتياز وأحد المنافحين القلائل عن حق السواد في انتزاع نصيبه من الكرامة والحريّة منذ زمن سحيم وعنترة قبل مئات الأعوام، لقد انضمّ الشاعر بهذا المعنى إلى ثّلة من الشعراء الأفارقة الكبار الذين رفعوا الصوت عاليًا ضد المهانة المشينة التي ظلت تلاحق الإنسان الأسود . على امتداد العصور من أمثال ليوبولد سنغور وأوغستينو نيتو ووول سوينكا وغيرهم وهو بدا جليًا في مجموعاته المتلاحقة (أغاني إفريقيا)، و(اذكريني يا إفريقيا)، و(عاشق من إفريقيا)، وما تمثّل أيضًا في صرخته “إفريقيا استيقظي من حلمك الأسود/ قد طالما نمت ألم تسأمي؟/ ألم تملي قدم السيد؟”.
لقد عمل الفيتوري جاهدًا على المزاوجة المتناغمة بين الكتابة الواقعية الملتزمة والإصغاء إلى صوته الداخلي المتمثّل بالحدوس الرؤيوية والجنوح إلى التصوّف، كما عمل على التوفيق بين غموض الأفكار والمشاعر وبين وضوح اللغة وبساطة التعبير. وهو استطاع في مرحلة ما إن يحقّق تلك المعادلة الصعبة بنجاح غير قليل، خاصة وأنه امتلك كاريزما استثنائية في حضوره وسلوكه كما في إلقائه المبهر الذي فعل في مستمعيه فعل السحر.
وحين قدم إلى بيروت في مطالع سبعينيات القرن الماضي استطاع أن يأخذ بألباب المئات الذين احتشدوا في قاعة الأونيسكو في بيروت للتعرّف إلى الشاعر السوداني المعروف الذي لم يكن ينظر إلى الحضور بل يدفع جسمه الموارب وعينيه الزائفتين إلى زاوية في القاعة الكبرى متصلة بمهابة الموقف وتموّجات الصوت الذكوري المترع بالرخامة، وسواء في مناجاته الواقعية الإنسانية “زمني جلاد لا يرحم/ زمني وجه يتفجر من شفتيه الدم”، أو في مقطوعته الصوفية المقابلة “في حضرة من أهوى/ عبثت بي الأشواق/ حدّقت بلا وجه/ ورفصت بلا ساق “.. فقد بدا الشاعر آخذًا بألباب جمهوره ومنتزعًا لنفسه مكانة مرموقة وسط شعراء جيله .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.