“الفيتوري” من ضجيج الزنوجة إلى هيبة الخلود

صحيفة الهدف

محمد شريف

في تاريخ الأدب العربي الحديث، قلّة هم الشعراء الذين تشكّلت حيواتهم كقصيدة كبرى، موزّعة الفصول بين المنافي والموانئ. ويقف محمد مفتاح الفيتوري في طليعة هؤلاء، لا لكونه شاعرًا مجيدًا فحسب، بل لكونه حالة “سيكو- ثقافية” معقّدة. فإذا كانت الباحثة رجاء نعمة قد استنطقت المسكوت عنه في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، كاشفةً عن الصراع النفسي للهوية بين “الأنا” والآخر عبر شخصية مصطفى سعيد، فإن إنتاج الفيتوري يمثّل المختبر المثالي لتطبيق المنهج ذاته، حيث تتحوّل القصيدة من مجرد نص لغوي إلى “وثيقة نفسية” تعكس تمزّقات الذات العربية الإفريقية في بحثها عن كينونة ثابتة.

سيكولوجية (أنا زنجي)
تبدأ رحلة الفيتوري الإبداعية بصرخة مدوية في “أنا زنجي”. من منظور التحليل النفسي، وتحديدًا عبر مفاهيم ألفرد أدلر حول عقدة النقص والتعويض، نجد أن الشاعر لم يكن يكتب شعرًا وصفيًا، بل كان يمارس “فعلًا دفاعيًا”. لقد وُلد الفيتوري في سياق تاريخي واجتماعي يضع اللون الأسود في مرتبة أدنى، وهنا تتشكّل “الأنا” تحت وطأة شعور بالاستلاب.
في (أنا زنجي)، يقوم الفيتوري بعملية “إعلاء” (Sublimation) عبقرية. هو لا ينكر وصمة اللون التي حاول المجتمع إلصاقها به، بل يحوّلها إلى “مركزية كونية”. إن تكرار صيغة المتكلم “أنا” في القصيدة ليس نرجسية ذاتية، بل محاولة لترميم “أنا” محطمة تاريخيًا. القصيدة هنا “ميكانزم دفاعي” هجومي، حيث تصبح المفردات “الجبهة الشاحبة، الدم الغليظ، الأرض العطشى” أدوات لاستعادة الجسد المستلب. إن “الزنجي” في هذا النص هو “البطل النفسي” الذي يرفض الانصياع لـ “الأنا العليا” (Super-ego) التي صاغها المستعمر، ليضع بدلًا منها قوانينه الخاصة للجمال والقوة.

صراع الهوية: الشاعر بين الشتات والمركز
إن تعدّد انتماءات الفيتوري وتنقلاته بين السودان ومصر وليبيا والمغرب لم تكن مجرد رحلات جغرافية، بل كانت “هجرات نفسية” متلاحقة. هذا التعدّد خلق نوعًا من “الهوية المتشظية”. بالقياس على تحليل رجاء نعمة لـ (مصطفى سعيد)، نجد أن الفيتوري عاش “قلق الاغتراب” بشكل مضاعف؛ فهو غريب في اللغة “بسبب لكنته وجذوره”، وغريب في اللون “في مجتمعات كانت تضيق بالآخر”، وغريب في الانتماء السياسي.
هذا الاغتراب دفع الفيتوري إلى البحث عن “أب رمزي” أو “أرض مثالية”. في مراحله الأولى، كانت “إفريقيا” هي تلك الأم الرمزية التي يلوذ بها. ولكن مع نضج التجربة، اكتشف الشاعر أن “الجغرافيا” لا تمنح السكينة النفسية، لأن الصراع يكمن في الداخل. هنا تبدأ ملامح التحوّل من الصراخ الثوري نحو الصمت التأملي، وهو ما يقودنا إلى مرحلته الصوفية الفارقة.

(معزوفة لدرويش متجوّل): ذوبان الأنا في المطلق
عندما ننتقل إلى (معزوفة لدرويش متجوّل)، نجد أنفسنا أمام “انقلاب نفسي” شامل. إذا كان الفيتوري في (أنا زنجي) قد عمل على تضخيم الأنا لإثبات الوجود، فإنه في (المعزوفة) يعمل على إفناء الأنا للاتصال بالمطلق.
من منظور كارل يونغ، تمثّل هذه المرحلة عملية “التفرد” (Individuation)، حيث يتصالح الإنسان مع ظلاله الداخلية ويصل إلى مركز نفسه. الدرويش المتجوّل في القصيدة ليس إلا الشاعر ذاته وقد خلع ثوب “الهوية الضيقة”. يقول في القصيدة: “شاحبٌ وجهي.. شاحبٌ وجهي كضوءِ الفجر”. هذا الشحوب هو العلامة السريرية للزهد الروحي؛ فاللون “الأسود” الذي كان قضية وجودية في السابق، تراجع أمام “الضوء” الذي لا لون له.
نفسيًا، انتقل الفيتوري من “سيكولوجية المواجهة” إلى “سيكولوجية الاحتواء”. لم يعد يرى العالم كساحة صراع بين أسود وأبيض، بل كحلقة ذكر كبرى يذوب فيها الجميع. إن استخدام الرموز الصوفية “الحضرة، الوجد، الغياب، السكر الروحي” يعكس رغبة “الأنا” في التخلّص من عبء التاريخ الشخصي والآلام الجسدية للاتحاد مع “الروح الكلية”.

الانتقال الدرامي: من الطبول إلى الناي
إن الفارق بين (أنا زنجي) و(معزوفة لدرويش متجوّل) هو الفارق بين “الضجيج” و”الهمس”. في الأولى، كانت الموسيقى النفسية تشبه دقات طبول الحرب الإفريقية؛ إيقاعات حادة قاطعة تستنهض الهمم. أما في الثانية، فالإيقاع دائري “كسفينة الدرويش”، هادئ ومنساب كالناي.
هذا التحوّل يعكس “نضجًا سيكولوجيًا” يتجاوز الغضب. فالغضب في التحليل النفسي هو مرحلة أولية للرفض، لكن “القبول الصوفي” هو أعلى مراحل السلام الداخلي. الفيتوري الذي صرخ يومًا “أنا زنجي” هو نفسه الذي همس لاحقًا “في حضرة من أهوى”، ليكمل الدائرة النفسية لرحلة الإنسان من “سجن الجسد” إلى “فضاء الروح”.

الفيتوري كمرآة للذات العربية
ختامًا، يمكن القول إن تجربة الفيتوري، عند إخضاعها للتحليل النفسي على غرار دراسة رجاء نعمة، تفتح لنا بابًا لفهم “الإنسان العربي والإفريقي” المعاصر. لقد اختصر الفيتوري في قصائده صراعاتنا النفسية الكبرى: عقدة الهوية، مرارة الاغتراب، التوق للتحرّر، وأخيرًا البحث عن السكينة الروحية.
الفيتوري لم يكن شاعرًا للقضية الإفريقية فحسب، بل كان “محلّلًا نفسيًا” بالفطرة، استطاع بصدقه الفني أن يجسد مراحل تطور الوعي الإنساني: من صدمة الوعي بالذات “الزنوجة”، إلى البحث عن المعنى عبر الحركة “التنقّل”، وصولًا إلى اليقين بالعدم الجميل “التصوّف”. لقد ظل الفيتوري “درويشًا متجوّلًا” في ملكوت القصيدة، تاركًا لنا إرثًا يثبت أن الشعر، في أسمى تجلياته، هو عملية استشفاء نفسية مستمرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.