أشعار الفيتوري: رايات وطبول تزاحم آفاق ثورة السودان

صحيفة الهدف

عبد الله الشيخ

تداول الناشطون فيما بينهم مقاطع من أشعار الفيتوري خلال أشهر ثورتهم في ديسمبر 2019، يستمدون منها الثبات في مواجهة البطش والقهر، وهو القائل:
“أمس قد مرّ طاغية من هنا/ نافخًا بوقه تحت أقواسها/ وانتهى حيث مر”..
تزامنت ذكرى رحيل الشاعر محمد مفتاح الفيتوري (في إبريل 2015) مع بعث جديد لشعر هذا الثائر الإفريقي، وكأنه، بعد أربعة أعوام من سكونه، يقوم من مرقده مهرولًا في شوارع الخرطوم، متلمسًا مكان الحشود ليشاركهم الفرح الغامر بثورتهم، وهو القائل:
مثلي أنا ليس يسكن قبرًا
لا تحفروا لي قبرًا
سأرقد في كل شبر من الأرض..
ويجد الشاعر نفسه يرقص على أنغام (معزوفة لدرويش متجوّل)، تحمله أكتاف الثوار وتغمره زغاريد كنداكات السودان، وهن يرددن أجمل ملاحم الفيتوري التي ظللت سماوات ثورات السودان وانتفاضاته الثلاث:
أصبح الصبح، ولا السجن ولا السجان باقٍ
وإذا الفجر جناحان يرفّان عليك
وإذا الحسن الذي كحّل هاتيك المآقي
التقى جيل البطولات بجيل التضحيات
التقى كل شهيد قهر الظلم ومات
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات..
يتكرر في هذه الأيام ذاك العنفوان الذي كسر أغلال القيود وأزاح الطغاة من عروشهم، وتعود المشاهد نفسها لحشود في ذات “الإبريل” الذي شهد، قبل أكثر من ثلاثة عقود، انتصار إرادة السودانيين في انتفاضة 1985، ويعود الفيتوري ليشنّف آذان التواقين إلى عهد جديد بأشعاره التي جسدها أداء مهيب للموسيقار محمد وردي:
في زمن الغربة والارتحال
تأخذني منك وتعدو الظلال
وأنت عشقي
حيث لا عشق، يا سودان
إلا النسور الجبال
يا شرفة التاريخ
يا راية منسوجة
من شموخ النساء
وكبرياء الرجال
إعادة اكتشاف السودان
لم يتأخر الفيتوري عن نضال الثورة، ولم يكتف ببعث روحه من مرقدها مهنئًا ومباركًا بـ”ساعة النصر عند اكتمال الهلال”، بل كان له قصب السبق في أدب المقاومة ورفض الظلم والإعلاء من شأن الإنسانية. فأشعاره التي حملتها أربعة دواوين عن إفريقيا كانت صرخات الزنجي الذي “يزاحم براياته وطبوله الآفاق”، وهي تلهب الحماس في شرايين الشباب الثائرين:
يا أخًا أعرفه، رغم المحن
إنني مزّقت أكفان الدجى
إنني هدمت جدران الوهن
لم أعد مقبرة تحكي البلى
لم أعد ساقية تبكي الدمن
لم أعد عبد قيودي
لم أعد عبد ماضٍ هرم..
ولكم تداول الناشطون مقاطع أشعار الفيتوري فيما بينهم خلال أشهر ثورتهم الأربعة، يستمدون منها الثبات في مواجهة البطش والقهر، وتملأ جوانحهم باليقين الذي يجعلهم كالجبال لا تتزحزح، لذلك خرجوا إلى الشوارع مرفوعي الجبين:
يا أخي في كل أرض عُرّيت من ضياها
وتغطّت بدماها
يا أخي في كل أرض وجمت شفتاها
واكفهرّت مقلتاها
قم تحرّر من توابيت الأسى
لست لأعجوبتها
أو مومياءها، انطلق
فوق ضحاها ومساها
ولم ينس الفيتوري الشهداء، فكانت لهم منازلهم في أشعاره التي فاضت وفاءً وتقديرًا لهم، وهم “يوسّدون رؤوسهم في التراب المقدس”، وقد حفظ السودانيون الأبيات التي نحتها بحق من فاضت أرواحهم:
فدًا لعينيك الدماء التي خطّت على الأرض
سطور النضال
داست على جلادها وهي في سجونه
واستشهدت بجلال
قبل ذلك كله، اتفقت رؤية الفيتوري مع الثائرين في تشخيص ما وصل إليه حال البلاد، ووضع توصيفًا دقيقًا لما يفعله الطغاة الجاثمون على صدور الشعوب كرهًا، ونجح في رسم المشهد كله في أبيات معدودة:
قد مرّ طاغية من هنا ذات ليل
أتى فوق دبابة
وتسلق مجدًا
وحاصر شعبًا
غاص في جسمه
ثم هام بعيدًا
ونصّب من نفسه للفجيعة ربًا..
ولم يكتف شاعرنا بهذا التوصيف العميق والمبسط في آن، فتوقع مآلات من يحاول أن يبني أمجادًا متوهمة، سالبًا شعبه حريته وحقه في عيش كريم، ومن يريد أن يكتب لنفسه تاريخًا ليكون بديلًا لحضارة أمة عريقة، لخّص الفيتوري كل تلك المعاني في ثلاثة أبيات:
أمس قد مرّ طاغية من هنا
نافخًا بوقه تحت أقواسها
وانتهى حيث مرّ
عبّر شعر الفيتوري عن حبّه المفرط لبلاده، شأنه شأن الثائرين الشباب اليوم، وعلى الرغم من غربته المبكرة وترحاله بعيدًا عنها، إلا أنها كانت حاضرة في لقاءاته وذكرياته وانفعالاته، لم يتنكر للأرض التي غرسته وقدّمته ابنًا بارًا للقارة السمراء:
هذه الأرض التي أحملها ملء دمائي
والتي أنشقها ملء الهواء
والتي أعبدها في كبرياء
هذه الأرض التي يعتنق العطر عليها والخمول
والخرافات وأعشاب الحقول
هذه الأسطورة الكبرى.. بلادي
وعلى هذا فإن الرمزية التي اكتست بعض أشعار الفيتوري يمكن أن تكون لها مدلولاتها الوطنية في القاموس الثوري، وإن كانت في ظاهرها عاطفية. وهو قال في إحدى حواراته: “الكلمة اللغوية لا تكون كلمة شعرية إلا بالاختيار، وعلاقتها كموسيقى لفظية بالتيارات الموسيقية النفسية التي تتفجر بها أعماق الشاعر لحظة تبنيه للتجربة الإنسانية أو الاجتماعية المعاشة. إنها المعادل المادي لبذرة حبة تسقط من أعماق اللاشعور لتأخذ مزاجها الخاص في مناخه”.
في حضرة من أهوى
عبثت بي الأشواق
حدّقت بلا وجه
ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفنى عشقي
وفنائي استغراق
مملوكك.. لكني
سلطان العشاق.

#محمد_مفتاح_الفيتوري #ملف_الهدف_الثقافي #ثورة_ديسمبر #السودان #أدب_المقاومة #الخرطوم #أفريقيا #شعر #أمة_عربية_واحدة #البعث_باقي #جيل_البطولات #حرية_سلام_عدالة #السيادة_الوطنية #أيقونة_الثورة #لا_للحـ.رب #تاريخ_السودان #الوفاء_للشهداء #كنداكات_السودان #محمد_وردي #ساعة_النصر #ثورة_إبريل

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.