زكريا نمر
ليست تجربة محمد الفيتوري مجرد مسار شعري يمكن تأريخه بمراحل فنية متعاقبة، بل هي بنية معقّدة من التوترات الوجودية: توتر الهوية، وتوتر اللغة، وتوتر العلاقة مع السلطة، وتوتر الانتماء إلى أكثر من جغرافيا دون امتلاك أيٍّ منها بشكل كامل. لهذا فإن أي قراءة صادقة للفيتوري يجب أن تتجاوز الإعجاب السطحي إلى مساءلة عميقة: ماذا فعل هذا الشاعر بالهوية؟ وماذا فعلت به الهوية؟
ولد الفيتوري في سياق تاريخي شديد التعقيد، حيث كانت إفريقيا والوطن العربي يعيشان مخاض ما بعد الاستعمار. نشأته بين السودان ومصر، ثم انتقاله إلى ليبيا واستقراره لاحقًا في المغرب، لم تكن مجرد تنقلات جغرافية، بل كانت انتقالات في الوعي والانتماء. عاش الشاعر حالة من اللا استقرار الهوياتي، حيث لا يمكن اختزاله في وطن واحد أو ثقافة واحدة.
هذه الحياة الموزّعة جعلت منه شاهدًا على تحوّلات كبرى: صعود الحركات التحرّرية، انهيار الأحلام القومية، وتحوّل المثقف من فاعل إلى هامشي. لكن المفارقة أن هذه التجربة الثرية لم تمنحه يقينًا، بل عمّقت شكوكه. لم يكن الفيتوري شاعرًا مستقرًا، بل كان شاعرًا يبحث عن نفسه داخل نصه.
في بداياته، كتب الفيتوري بروح رومانسية مشبعة بالحلم، لكنه سرعان ما انتقل إلى خطاب أكثر صدامية، متأثرًا بأجواء التحرّر الإفريقي. هنا يظهر تأثير حركة الزنوجة التي سعت إلى إعادة الاعتبار للهوية السوداء في مواجهة الاستعمار الثقافي. غير أن هذا التحوّل لم يكن خطيًا. فمع تراجع الحلم الثوري، بدأ الفيتوري يميل نحو خطاب أكثر تأملًا، وصولًا إلى النزعة الصوفية. هذا التحوّل يمكن قراءته بطريقتين: إما كتطور ناضج نحو العمق الروحي، أو كنوع من الانسحاب من مواجهة الواقع. والحقيقة أنه يجمع الاثنين معًا.
أحد أهم إسهامات الفيتوري هو وضعه للهوية الإفريقية في قلب القصيدة العربية. لم يعد الأسود مجرد موضوع، بل أصبح ذاتًا ناطقة، غاضبة، ومقاوِمة. لكن هذا الخطاب، رغم قوته، لم يكن خاليًا من الإشكاليات.
في كثير من نصوصه، تُختزل الهوية في ثنائية حادة: أبيض وأسود، مستعمِر ومستعمَر. هذه الثنائية، رغم ضرورتها التاريخية، لا تعكس التعقيد الحقيقي للواقع الإفريقي، حيث تتداخل الهويات العرقية والثقافية والسياسية. هنا تظهر محدودية الخطاب حين يتحوّل إلى شعار. ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أثره؛ فقد ساهم الفيتوري في إعادة تعريف الذات الإفريقية داخل الأدب العربي، وفتح الباب أمام خطاب ثقافي جديد يرفض التبعية ويبحث عن الأصالة.
لغة الفيتوري مشحونة بالإيقاع والرمز، لكنها ليست دائمًا دقيقة. في بعض الأحيان، تبدو اللغة كأنها تحمل النص، لا العكس. استدعاء التاريخ والأسطورة يمنح القصيدة عمقًا، لكنه قد يتحوّل إلى تكرار إذا لم يكن مرتبطًا بتجربة حية. الفيتوري في أفضل حالاته حين تكون لغته نابعة من الألم الحقيقي، لا من الرغبة في الإبهار. هنا تتحوّل القصيدة إلى شهادة، لا إلى خطاب.
لم يكن المنفى عند الفيتوري مجرد ابتعاد عن الوطن، بل كان حالة وجودية. عاش الشاعر خارج بلده، لكنه لم يشعر بالانتماء الكامل لأي مكان آخر. هذا المنفى المزدوج، الجغرافي والنفسي، انعكس في نصه كقلق دائم. المنفى ليس فقط فقدانًا، بل أيضًا مساحة للكتابة. لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة العلاقة بين المثقف والسلطة، حيث يصبح الشاعر عرضة للإقصاء والتهميش.
علاقة الفيتوري بالسلطة معقدة. فقد تعرض للتضييق وسحب الجنسية، وهي تجربة قاسية تكشف حدود الحريّة في العالم العربي. لكنه، في المقابل، لم يكن دائمًا في موقع المواجهة الصريحة. هذا التذبذب لا يجب قراءته كضعف شخصي فقط، بل كجزء من أزمة أوسع يعيشها المثقف العربي، حيث تتداخل الحاجة إلى الاستقلال مع ضغط الواقع السياسي.
في مرحلته المتأخرة، اتجه الفيتوري نحو التصوّف، حيث أصبحت القصيدة أكثر هدوءًا وتأملًا. هذا التحوّل يعكس رغبة في البحث عن معنى يتجاوز السياسة والتاريخ. لكن السؤال يبقى: هل كان هذا التحوّل نضجًا أم انسحابًا؟ ربما كان الاثنين معًا. فالتصوّف عند الفيتوري ليس فقط تجربة روحية، بل أيضًا محاولة لإعادة بناء الذات بعد انهيار المشاريع الكبرى.
لا يمكن فهم تأثير الفيتوري دون النظر إلى السياق الإفريقي. فقد كان جزءًا من موجة ثقافية سعت إلى إعادة تعريف القارة بعد الاستعمار. قصيدته لم تكن فقط تعبيرًا عن الذات، بل كانت أيضًا خطابًا سياسيًا وثقافيًا. ساهم في ترسيخ فكرة أن إفريقيا ليست هامشًا، بل مركزًا لهويتها الخاصة. هذا التأثير لم يكن أدبيًا فقط، بل امتد إلى الوعي الثقافي العام، خاصة في الأوساط العربية التي كانت تنظر إلى إفريقيا بنظرة استعلائية.
رغم محاولته تجاوز الجغرافيا، لم يتحوّل الفيتوري بالكامل إلى شاعر كوني. بقي مرتبطًا بسياقات محدّدة، ولم ينجح دائمًا في تحويل تجربته إلى خطاب إنساني شامل. لكن هذا لا يقلل من قيمته، بل يضعه في موقعه الحقيقي: شاعر إقليمي بامتداد عالمي، لا شاعر عالمي بالمعنى المطلق.
عند مقارنته بشعراء مثل أدونيس ومحمود درويش، يظهر الفيتوري أقل تنظيرًا وأكثر عفوية. لم يسع إلى بناء مشروع فكري متكامل بقدر ما كان يكتب من داخل التجربة. هذه العفوية تمنحه صدقًا، لكنها تحرمه أحيانًا من التماسك.
الفيتوري ليس مجرد شاعر، بل هو مرآة لأزمة الهوية في العالم العربي والإفريقي. تجربته تكشف حدود الخطاب الثوري، وتعقيدات الانتماء، وصعوبة التوفيق بين الذات والتاريخ. قراءته بصدق تعني الاعتراف بأنه شاعر كبير، لكن غير مكتمل؛ وأن هذا النقص هو جزء من قيمته، لا عيبًا فيها. فهو لم يقدم إجابات نهائية، بل تركنا أمام أسئلة مفتوحة، وربما هذا هو دوره الحقيقي.
* كاتب من جنوب السودان

Leave a Reply