. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
مدخل: في لحظة تتقاطع فيها أزمات الأمة العربية مع محاولات تصفيتها، يصدر بيان قيادة قطر السودان في حزب البعث العربي الاشتراكي، احتفالاً بالذكرى التاسعة والسبعون لميلاد البعث، ليس كمناسبة احتفالية، بل كوثيقة موقف من قلب نار الح.رب. هذا البيان لا يقرأ كخطاب تقليدي، بل هو تشخيص للحظة، ورؤية للمستقبل، ودعوة للفعل، وإعلان وجود في زمن يحاول فيه الآخرون طمس الفكرة واجتثاث التنظيم.
ما يميز هذا البيان، هو أنه صادر من ساحة ساخنة، ساحة السودان الذي يحترق، حيث الح.رب ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي معركة وجود ضمن مشروع أكبر يسمى (الشرق الأوسط الجديد)، لذلك، فإن قراءة هذا البيان تتطلب أكثر من تلخيص لمضامينه، إنها تتطلب فهم كيف يقرأ البعث أزمة بلاده، وكيف يؤطرها ضمن الصراع القومي الأوسع، وأين يقف في مواجهة أدوات التفتيت والتبعية.
أولاً: جوهر البيان في ثلاث مرتكزات: قبل الغوص في التفاصيل، يمكن اختزال رسالة البيان في ثلاث مرتكزات جوهرية:
1. البعث ضرورة تاريخية متجددة: المعني إن الحاجة إلى الفكرة القومية لا تموت، بل تتجدد في كل مرحلة بأشكال جديدة.
2. ما يحدث في السودان ليس حرباً أهلية بل مؤامرة كبرى: الح.رب السودانية جزء من مشروع إقليمي لتفكيك الأقطار العربية.
3. ربط النضال الوطني ببعده القومي هو السبيل الوحيد للخلاص: لا حل وسطياً للسودان بمعزل عن الأمة العربية، ولا خلاص للأمة بمعزل عن السودان.
هذه المرتكزات الثلاث تشكل عمود البيان الفقري. كل ما عداها هو تفصيل وتطبيق.
ثانياً: كيف يقرأ البيان الح.رب السودانية؟
1. من (صراع على السلطة) إلى (حرب عبثية تدميرية): يرفض البيان القراءة السطحية للح.رب السودانية كصراع بين جنرالين على كرسي الحكم. بدلاً من ذلك، يصفها بأنها (حرب عبثية تدميرية) و(مؤامرة كبرى). هذا التحول في التوصيف ليس مجرد اختيار لغوي، بل هو إطار تحليلي:
أ. القراءة السطحية ترى بأن الح.رب طرفان متنازعان، أما القراءة العميقة (حسب البيان)، ترى بأن الجيش والدعم السريع أدوات محلية لمشاريع خارجية.
ب. القراءة السطحية لأسباب الح.رب، تتمثل في صراع على النفوذ والثروة، أما القراءة العميقة (حسب البيان)، ترى بأن أهداف الح.رب تتمثل في تفكيك الدولة السودانية.
ت. القراءة السطحية لنتيجة الح.رب، العمل على تدمير البنية التحتية، أما هدفها الخفي وفقاً للقراءة العميقة (حسب البيان)، هو إغراق السودان في فوضى دائمة.
ث. القراءة السطحية ترى بأن المستفيد من الح.رب هو طرف سوداني على حساب آخر، أما المستفيد من الح.رب وفقاً للقراءة العميقة (حسب البيان)، القوى الإم.بريالية والص.هيونية والفارسية.
هذا الإطار يضع الح.رب السودانية في سياقها الحقيقي، ليست ح.رباً أهلية بالمعنى التقليدي، بل هي ح.رب بالوكالة ضمن مشروع أكبر لإعادة رسم خرائط المنطقة.
رغم أن البيان يفسر الح.رب السودانية ضمن إطار (المؤامرة الكبرى)، فإن القراءة العلمية تقتضي التمييز بين مستويين: مستوى العوامل الداخلية المرتبطة ببنية الدولة السودانية الهشة، ومستوى التوظيف الخارجي لهذه الأزمة. فاختزال الصراع في بعد واحد قد يُنتج رؤية ناقصة، بينما الفهم الأعمق يقتضي قراءة جدلية بين الداخل والخارج.
2. قوى وأطراف إطالة أمد الح.رب: البيان يشير إلى وجود (قوى وأطراف إطالة أمد الحرب) و(أدواتها المحلية المتعددة)، دون أن يسميها. هذا التلميح يحمل رسالتين:
أ. رسالة للداخل: هناك من يستفيد من استمرار الح.رب، وهم ليسوا بالضرورة الأطراف المعلنة.
ب. رسالة للخارج: نحن نعرف من أنتم، حتى لو لم نذكر أسماءكم.
غياب التسمية قد يُقرأ كحرص على عدم الدخول في صراعات دبلوماسية، وقد يُقرأ كتردد. لكن في قراءة أكثر عمقاً، التلميح في البيان السياسي أحياناً يكون أقوى من التصريح، لأنه يترك مساحة للتأويل والتوسع.
3. السودان صمام أمان: لماذا السودان مهم؟: البيان يصف السودان بأنه (صمام أمان للأمن القومي العربي). هذه الصورة الاستعارية تحمل عدة دلالات استراتيجية:
أ. البعد الجغرافي، دلالته في أن السودان يربط الوطن العربي بأفريقيا، ويطل على البحر الأحمر.
ب. البعد المائي دلالته في أنه يتحكم في حصة مصر من مياه النيل، وهو شريك في الأمن المائي العربي.
ت. البعد البشري، دلالته تنوعه العرقي والثقافي يمثل نموذجاً للتعايش تحت هوية عربية جامعة.
ث. البعد النضالي، دلالته تاريخه حافل بمقاومة الاستعمار والانقلابات والتدخلات.
انهيار السودان، إذاً، ليس كارثة سودانية فقط، بل هو ثقب في جدار الأمن القومي العربي. وهذه هي الرسالة التي يريد البيان إيصالها إلى الأمة العربية بأن انهيار السودان يهدد الجميع.
إن مفهوم الدولة المدنية، كما يرد في البيان، يظل مفهوماً مفتوحاً يحتاج إلى ضبط نظري وعملي، فهل نحن أمام دولة مواطنة تتجاوز البنى التقليدية، أم أمام إعادة صياغة توازنات القوى داخل إطار جديد؟ إن حسم هذا الإشكال ليس ترفاً فكرياً، بل شرط تأسيسي لأي مشروع سياسي قابل للحياة.
ثالثاً: البيان والمشروع القومي: (أين الموقع؟):
1. الشرق الأوسط الجديد: (كعدو مشترك): البيان يربط الح.رب السودانية بـمشروع (الشرق الأوسط الجديد)، الذي يصفه بأنه مخطط (إمبريالي صهيوني) يهدف إلى تفكيك الأقطار العربية وتحويلها إلى كانتونات متصارعة. هذا المشروع ليس جديداً، لكن البيان يقرأه قراءة محدثة:
أ. الهدف المعلن نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، أما الهدف الخفي تفكيك الدولة الوطنية العربية.
ب. الهدف المعلن، محاربة الإره.اب والتطرف، أما الهدف الخفي خلق فوضى مدارة تبرر التدخل العسكري.
ت. الهدف المعلن، إحلال السلام والاستقرار، أما الهدف الخفي تطبيع العلاقات مع الكيان الص.هيوني.
ث. الهدف المعلن، التنمية الاقتصادية والإعمار، أما الهدف الخفي نهب الثروات وإخضاعها للرأسمالية العالمية
البيان يضيف بعداً مهماً: ربط هذا المشروع بـ(التطبيع والسلام الإبراهيمي)، فالتطبيع ليس مجرد علاقات دبلوماسية، بل هو أداة لتفكيك الجبهة العربية وتمهيد الطريق لمشاريع التفتيت. والسودان، في هذا السياق، هو أحد الأهداف لأن انهياره يضعف الجبهة العربية بأكملها.
2. فلسطين والأحواز: (توسيع دائرة الصراع): البيان يختم بـ: (النصر حليف نضالات شعبنا ومقاومته في فلسطين والأحواز)، إدراج الأحواز العربية (المحتلة من قبل إيران) إلى جانب فلسطين هو توسيع استراتيجي لمفهوم (القضية المركزية):
أ. فلسطين تمثل الصراع مع المشروع الص.هيوني الغربي.
ب. الأحواز تمثل الصراع مع المشروع الفارسي التوسعي.
هذا التوسيع يعكس قراءة متقدمة للصراع في المنطقة: ليس صراعاً ثنائياً (عرب – صهاينة)، بل صراعاً متعدد الأبعاد (عرب – صهاينة – فرس – أتراك – غرب). والبعث، في هذه القراءة، هو الإطار القادر على استيعاب كل هذه الأبعاد.
3. العراق والسودان: (جبهتان في معركة واحدة): البيان يربط بين تحرير العراق واستقرار السودان، ويصفهما بأنهما (وجهان لعملة واحدة)، هذا الربط ليس اعتباطياً:
أ. العراق احتلته قوى التحالف (الأمريكي – الصهيوني – الصفوي). أما السودان تواجهه تدخلات مشابهة تحت غطاء الح.رب الأهلية.
ب. العراق: استهدف اجتثاث البعث وتفكيك الدولة. أما في السودان يستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي وإطالة أمد الح.رب.
ت. العراق تحريره يمثل استعادة لمركز الثقل القومي. أما السودان فاستقراره يمثل صمام أمان للأمة بأكملها.
الرسالة واضحة، وهي لا يمكن تحرير فلسطين بدون تحرير العراق، ولا يمكن استقرار السودان بدون استقرار الأمة. المعركة واحدة، والعدو واحد، والحل واحد، وهو المشروع القومي الجامع.
رابعاً: استحضار الماضي كأداة للمستقبل:
1. انتفاضة مارس-أبريل 1985: (نموذج للخلاص): البيان يستحضر الذكرى 41 لانتفاضة أبريل 1985، ويصفها بأنها (التجسيد الحي لإرادة الأمة والبعث في مقاومة التفتيت والتبعية). استحضار هذه الانتفاضة ليس مجرد تكريم للماضي، بل هو تقديم نموذج:
أ. انتفاضة شعبية، حيث إن التغيير الحقيقي يأتي من الجماهير، وليس من النخب أو الأطراف المتحاربة.
ب. انتفاضة سلمية، حيث إن النضال يمكن أن يكون سلمياً في سياقات معينة، وهذا خيار مفتوح.
ت. انتفاضة موحدة، أنها تجاوزت الانقسامات الحزبية والجهوية، وهذا هو المطلوب اليوم.
ث. انتفاضة قومية، حيث انها كانت جزءاً من سياق عربي أوسع، وهذا يذكرنا بأن السودان ليس بمعزل عن محيطه العربي القومي.
البيان يرسل رسالتين باستحضار هذه الانتفاضة:
أ. رسالة أمل: السودان خرج من أزمات مماثلة من قبل، وسيخرج منها مرة أخرى.
ب. رسالة تحذير: الخروج من الأزمة يتطلب وحدة الجماهير، وليس انتظار حلول من الخارج.
2. صدام حسين والقيادات التاريخية: (الرمز): البيان يشير إلى (محاولات تغييب القيادات التاريخية وعلى رأسهم الشهيد القائد البطل الأمين العام صدام حسين ورفاقه)، هذه الإشارة تحمل عدة دلالات:
أ. تأكيد الهوية: الحزب لا يتنكر لتاريخه ولا لقياداته.
ب. رد على خطاب الاجتثاث: محاولة طمس ذكرى القيادات هي جزء من محاولة طمس الفكرة ذاتها.
ت. بناء الشرعية: استمرارية الحزب مرتبطة بولائه لقياداته التاريخية.
لكن البيان يتجنب تقديس الرموز إلى حد الانغلاق. فهو يذكر الشهيد صدام حسين كجزء من سلسلة نضالية، وليس كنهاية للتاريخ. وهذا توازن دقيق.
خامساً: المؤتمر القومي الثالث عشر: (رسالة حية):
1. لماذا المؤتمر مهم؟: البيان يشير إلى انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث في مطلع 2026، ويصفه بأنه (الرد الحاسم على مشاريع التفتيت والاجتثاث)، فالمؤتمر هنا ليس مجرد حدث تنظيمي، بل هو رسالة متعددة الأبعاد:
أ. بعد إثبات وجود، فالرسالة هي أن الحزب الذي يُقال إنه مات لا يزال يعقد مؤتمراته وينتخب قياداته.
ب. بعد تجديد شرعية، فالرسالة هي بأن المؤتمر يجدد البرنامج والقيادة، ويمنح الحزب شرعية جديدة.
ت. بعد توحيد الصف، فالرسالة هي بأنه يجمع القيادات القطرية تحت سقف قومي واحد، ويؤكد وحدة الحزب.
ث. بعد استباق المستقبل، فالرسالة هي أن يضع الحزب في موقع الاستعداد لمرحلة جديدة من النضال.
البيان يصف القيادة القومية بأنها (القلعة الحصينة) التي تحمي الحزب من الانحراف والتفتيت. هذه الصورة تعكس إدراكاً بأن الحزب في حالة حصار، وأن التماسك الداخلي هو شرط البقاء.
2. المؤتمر في سياق السودان: انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر، في هذا التوقيت تحديداً يحمل دلالة خاصة للسودان:
أ. يثبت أن الحزب قادر على تجديد أدواته رغم الحرب.
ب. يذكر القوى المحلية والإقليمية بأن البعث في السودان ليس معزولاً عن محيطه القومي.
ت. يخلق أفقاً للعمل المشترك بين البعثيين في مختلف الأقطار لدعم السودان.
سادساً: أين البيان من متطلبات اللحظة السودانية؟
نقاط القوة: ما يقدمه البيان:
– تشخيص طبيعة الح.رب، حيث يفضح أنها ليست حرباً أهلية بل مؤامرة كبرى.
– رفض خطاب الهزيمة، فيخلق أفقاً نفسياً إيجابياً في لحظة انهيار.
– الربط القومي، حيث يضع السودان في قلب الصراع على هوية الأمة.
– توسيع دائرة القضايا، حيث يذكر الأحواز ويربطها بفلسطين.
– استحضار النموذج النضالي، المتمثل في انتفاضة 1985 كنموذج للخلاص.
– تجنب اللغة الطائفية، في بلد ممزق، هذا موقف بحد ذاته.
– إثبات حياة الحزب، وذلك من خلال انعقاد المؤتمر القومي كدليل على استمرارية الفكرة.
– لغة الوحدة، حيث أنه يخاطب الجميع دون استثناء أو إقصاء.
خاتمة: في السودان الذي يحترق، وفي الأمة التي تُفتت، يصدر بيان قيادة حزب البعث قطر السودان، ليذكر بأن الفكرة لم تمت، وأن الحزب لا يزال حياً، وأن المقاومة ممكنة. فالبيان لا يقدم حلولاً سحرية، لكنه يقدم أفقاً: أفق المقاومة، أفق الوحدة، أفق التحرر.
لكن الأفكار وحدها لا تكفي. والبيانات وحدها لا تصنع النصر. المطلوب الآن هو تحويل هذا البيان من نص يُقرأ إلى برنامج يُنفذ. المطلوب هو الانتقال من التشخيص إلى العلاج، ومن التحليل إلى الفعل، ومن الشعارات إلى الإجراءات. السودان ينتظر، والأمة تترقب. والوقت ليس في صالح المنتظرين. ما يفعله البيان: يقرأ الحرب السودانية قراءة قومية استراتيجية، ويفضح المؤامرة الكبرى وراء التفكك، كما يستحضر الماضي كنموذج للخلاص، يثبت أن البعث حي وقادر على التجدد، ويربط السودان بالقضايا القومية الكبرى.
ما يقدمه البيان هو وعي بالصراع، لكنه لا يزال في مستوى التشخيص أكثر من الفعل. والتحدي الحقيقي أمام الفكر القومي اليوم ليس في إثبات صحة تحليله، بل في قدرته على التحول إلى قوة تنظيمية قادرة على التدخل في الواقع. فبين الوعي بالفعل، مسافة لا تُختصر بالبيانات، بل تُبنى بالممارسة. وهنا فقط يُختبر صدق الفكرة. ورغم الطابع التحليلي للبيان، فإنه يحتفظ بلغة تعبويّة واضحة، تقوم على النداء الجماهيري واستنهاض الروح النضالية، وهو ما يعكس طبيعته كوثيقة موجهة للحشد بقدر ما هي موجهة للفهم. ولكي ينتقل البيان من مستوى الوعي إلى مستوى الفعل، فإن ذلك يتطلب ثلاث مسارات متلازمة:
1. بناء أطر تنظيمية مرنة قادرة على العمل في بيئات النزاع،
2. تطوير خطاب سياسي موجه للداخل السوداني منسجم مع الإطار القومي،
3. صياغة برنامج مرحلي واضح يربط بين إيقاف الح.رب وإعادة بناء الدولة السودانية.

Leave a Reply