الدين واحد والفرقة صناعة بشرية

صحيفة الهدف

مجد السيد

في زمنٍ تتنازع فيه الجماعات على احتكار الحقيقة ويُختزل فيه الدين في شعاراتٍ وهويات ضيقة يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى

هل الأزمة في الدين ذاته أم في الكيفية التي يُستدعى بها داخل صراعات البشر؟

تأتي الآية (13) من سورة الشورى كقاعدة تأسيسية جامعة

“أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ”

فهي لا تكتفي بالدعوة إلى إقامة الدين بل تربطها مباشرة بنفي التفرّق وكأن الوحدة هنا ليست نتيجة محتملة بل شرط أصيل في جوهر التدين

غير أن ما نشهده اليوم هو انقلاب في الوظيفة

تحول الدين من رسالة جامعة إلى أداة صراع ومن منظومة قيم إلى وسيلة للسلطةوالتعبئة والإقصاء وهنا لا تكمن المشكلة في الدين بل في الوعي الذي يعيد إنتاجه وفق مصالحه

الانحراف لا يحدث دفعة واحدة بل يتسلل تدريجيًا يبدأ بادعاء امتلاك الفهم الصحيح ثم يتطور إلى احتكار تمثيل الدين لينتهي بنزع الشرعية عن الآخرين وعند هذه النقطة لا يعود الخلاف اختلافًا في الرأي  بل يتحول إلى صراع وجود تتغذى فيه الانقسامات باسم المقدس من المهم التمييز بين مستويين

التدين  باعتباره علاقة فردية أخلاقية

وروحية.

التديين كعملية توظيف للدين في المجال العام خاصة في السياسة.

فبينما يمكن للتدين أن يعزز التماسك

الاجتماعي غالبًا ما يؤدي التديين السياسي إلى تفكيك المجتمعات لأنه ينقل الدين من فضاء القيم إلى ساحة الصراع وتُظهر قصة إسماعيل وإسحاق أن التعدد في المسارات لا ينفي وحدة الأصل فكلاهما ينتمي إلى بيت النبوة ذاته ويحمل رسالة التوحيد.

لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الحقيقة إلى ادعاء حصري من يملك الدين؟ ومن يتحدث باسمه؟

ومن هنا تبرز خطورة الشعارات السياسية ذات الغطاء الديني مثل الإسلام هو الحل

فهذا الشعار  رغم جاذبيته، يختزل مشكلات معقدة في عبارة عامة  ويتجاوز الأسئلة الحقيقية

هل الأزمة في العقيدة أم في بنية الدولة والعدالة والاقتصاد؟

في التطبيق  يؤدي هذا الخطاب إلى

تحويل القضايا الواقعية إلى شعارات فضفاضة

والهروب من المسؤولية السياسية

وصناعة استقطاب حاد داخل المجتمع

ثم يُعاد تشكيل المشهد وكأن الصراع بين إيمان وكفر لا بين رؤى سياسية مختلفة وهو أخطر أشكال التزييف

إن الخلط بين المقدس والبشري هو جوهر الأزمة فالمشروع السياسي بطبيعته عمل بشري نسبي يحتمل الخطأ والصواب لكن حين يُلبس لبوس الدين يُحصّن من النقد وتُجرّم معارضته ويُبرّر فشله.

وهكذا، يصبح الدين هو من يدفع ثمن السياسة تستمر هذه الظاهرة لأنها فعّالة

فالدين يمتلك قوة رمزية وعاطفية هائلة ويمنح من يوظفه شرعية سريعة وقدرة عالية على التعبئة

لكن الحل لا يكمن في إقصاء الدين من المجال العام، بل في تحريره من الاستغلال

وذلك عبر

إعادة الاعتبار للدين كمنظومة قيم لا كأداة سلطة والفصل بين المجال الديني والمجال السياسي وقبول التعدد داخل المجتمع ورفض أي ادعاء باحتكار تمثيل الإسلام

فالآية لم تضع فقط تكليفِا بإقامة الدين بل وضعت قيدًا واضحًا

“ولا تتفرقوا فيه”

أي أن كل توظيف للدين يؤدي إلى الفرقة هو  في جوهره  خروج عن مقصده إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الدفاع عن الدين بل في حمايته من أن يتحول إلى أداة في صراعات البشر.

فالدين في أصله رحمة جامعة لكن حين يُختطف يصبح وقودًا للانقسام وبين هذين المعنيين  يتحدد مستقبل المجتمعات

إما دين يوحد الناس

أو تأويلات تفرّقهم باسمه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.