جداريات الثورة والكاريكاتير.. فن المقاومة السودانية

صحيفة الهدف

فخرالدين حسب الله

مع انطلاقة الثورة السودانية 2019، لم يقتصر التعبير على الهتافات والمواكب، بل امتد إلى الفضاء البصري، حيث تحوّلت جدران القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم إلى منصات حية تنبض بروح الثورة والمقاومة. هناك، تداخلت الجداريات مع الكاريكاتير السياسي لتشكّل لغة بصرية قوية توثّق اللحظة التاريخية وتؤثر في وعي الجماهير.
منذ الأيام الأولى للاعتصام، أصبح المكان ورشة فنية مفتوحة. شارك في الرسم الجميع، من فنانين محترفين إلى شباب من الجنسين، فكان الفن جماعياً يعكس تعدد الأصوات وحيوية الشارع. جسّدت الجداريات رموز الثورة: وجوه الشهداء لتخليد الذاكرة، شعارات مثل (حرية، سلام، وعدالة)، وصور أخري ترمز لدور المرأه في قيادة الحراك و غيرها تعكس التنوع العرقي و الثقافي، هذه الرموز لم تكن مجرد زخارف، بل أدوات مقاومة تحوّل الفضاء العام إلى مساحات حرة للتعبير.
في الوقت نفسه، قدّم الكاريكاتير السياسي قراءة نقدية مكثفة للواقع عبر السخرية والرمز، ليكون وسيلة فعالة لنقل الرسائل بسرعة. هنا تبرز تجربة ناجي العلي، الذي حوّل الكاريكاتير إلى مشروع مقاومة متكامل، وجعل من شخصيته (حنظلة) رمزًا عالمياً للصمود والرفض. هذا الإرث ألهم فنانين كثر علي مستويات مختلفه و منهم سودانيين استخدموا الريشة لتوثيق الثورة والتأثير في وعي الناس.
برز عدد من الرسامين السودانيين الذين رافقوا الثورة بريشتهم، مثل عمر دفع الله، وود أبو، و آخرين. نقلوا من خلال أعمالهم تفاصيل الحياة اليومية في الاعتصام، وعكسوا آمال الناس في الحرية والعدالة، مستخدمين الرمزية والبساطة للوصول إلى جمهور واسع، متجاوزين الرقابة والقيود.
شكّلت الجداريات والكاريكاتير معًا جبهة فنية مقاومة؛ فالجداريات أعادت تشكيل الفضاء العام، بينما ركّز الكاريكاتير الرسائل ووصل بها بسرعة الي الناس. هذا التوازن أنتج خطاباً بصريًا غنياً يجمع بين التوثيق المباشر والتعبير الرمزي، بين الثبات والحركة.
بعد فض الاعتصام، حاول البعض محو الجداريات لإخفاء آثار الثورة، لكن الكاريكاتير استمر في نقل الرسائل، وانتشرت صور الجداريات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتصبح ذاكرة جماعية يصعب محوها. المعركة لم تعد على الأرض فقط، بل امتدت إلى الذاكرة، ليتها بقيت لتتحول الي مزارات و مصدر إلهام الي الأجيال و بقية الشعوب، لكنني أظن أنها ستعود يوما وقتما إنقشعب الغيوم و الحجب.
تُظهر تجربة الجداريات والكاريكاتير أن الفن في أزمات الشعوب ليس ترفاً، بل أداة نضال حقيقية. إنه يعبر عن المواقف السياسية والأخلاقية، ويقف إلى جانب الإنسان العادي. ومن خلال هذا التداخل بين الجدار والورقه، تشكّلت لوحة متكاملة من أدب المقاومة، تثبت أن الصورة قادرة على توثيق التاريخ وصناعة الوعي في آن واحد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.