ليلى صلاح
عادة، وقبل كل خطوة أخطوها، أقف لحظة، كأنه بيني وبين الحياة طقس هادئ لا يعرفه أحد غيرنا. أمد يدي للهاتف وأتصل بأمي، ليس لأني أحمل خبرًا عظيمًا أو قصّة أريد أن أشاركها معها وأسمع ضحكتها، بل فقط لأسمع صوتها، وألتقط دعواتها الصغيرة الصادرة دافئة من قلبها ببساطة عجيبة، كأنها تعرف طريقها إلى السماء منذ الأزل.
في مكالمة الليلة، وبعد أن اطمأنت عليّ وعلى أولادي، سكتت لحظة كأنها تجمع قلبها كله في كلمات بسيطة، ثم تمتمت بصوت يشبه دفء البيت تدعو لي ولإخوتي المبعثرين في بقاع الدنيا:
“يا رب احفظ أولادي
احفظهم بعينك التي لا تنام
واجعل النور في طريقهم
والسلام في خطواتهم
وأبعد عنهم شر الما شايفنه
وشر الما عارفته
يا رب خليك معاهم لما تضيق الدنيا
واحفظ قلوبهم من الكسرة
وأيامهم من القسوة”..
وصلتني كلماتها، وشعرت أنها لم تكن دعاءً فقط، بل ظل واسع نزل على روحي بردًا وسلامًا. سكن شيء في داخلي وهدأ شيء آخر، كأن الطريق قدامي وسع فجأة، وكأن المخاوف الصغيرة المختبئة في زوايا القلب انسحبت بهدوء احترامًا لبركة خرجت من قلب أم.
بعدها، مضيت في طريقي، ليس لأني أعرف ما ينتظرني، بل لأني بثقت أن هناك حكمة أكبر من قلقي، وأن الخير ليس دائمًا فيما نخطط له، لكنه في اختيار الله لنا، حتى عندما يبدو الطريق غامضًا، وحتى عندما نمشي فيه بدون أن نرى نهايته.
ربما لهذا السبب ما زال العالم قائمًا. ليس لأن البشر صاروا أكثر حكمة، ولا لأن الحياة أصبحت أسهل، بل لأنه دائمًا، في مكان ما، في بيت بسيط، قرب شباك منسي، أو على سجادة صلاة، هناك أم ترفع كفيها للسماء.
العالم لا يعرف اسمها، ولا أحد يسمع صوتها، لكن دعاءها يخرج بهدوء، كخيط نور يشد هذا الكوكب المتعب من أطرافه.
لهذا السبب، العالم بكل الضجيج والارتباك فيه، ما زال يمشي إلى الأمام. لأنه دائمًا هناك أم ترفع وجهها للسماء وتهمس: “يا رب”..
وأنا أردد في سري: “يا رب لا تطفئ نور الأمهات”.
والآن، ومن غير أن أنتبه، وجدت نفسي أشبه أمي. عندما أدعو لأولادي، أسمع أحيانًا صوتها في صوتي. كأن دعاءها لم يتوقف يومًا، بل وجد فمًا آخر ليواصل الطريق.

Leave a Reply