محمد الحاج
منذ أن اختلس بروميثيوس النارَ من موقد الآلهة، ونقشَ جلجامش ملحمتَه على ألواح الطين والحجر، أدرك الإنسانُ أن الكلمةَ ليست رفاهاً، بل هي متراسٌ أخير في وجه العسف. فاتخذها كزهرةِ لوتس يحتمي بها من وطأة الظلم، وغرسها في برية الزمن أيقونةً للخلود ومخفراً للذاكرة من غوائل النسيان.
وحين استحالت الجغرافيا جرحاً مفتوحاً، وأصبح التاريخُ يُكتبُ بالحبر والدم، وتحولت الأرضُ إلى سؤال والإنسان إلى شهيد، تخلَّق أدبُ المقاومة، أدبٌ لا يشبه سواه، لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يُقاوم فالكلمةُ فيه تحرسُ وتُقاتل، لتبقي الذاكرةَ يقظةً كحارس مرابط على ثغر الغياب.
إن أدبُ المقاومة مرآة لأرواح عصيّة على الانكسار، وصرخات مدوّيةً في وجه المحو، ونشيداً يعاند العدم. حيث تشتبك الكلمات مع البنادق، ويتواشج المجاز مع المجزرة، وتتماهى صورُ الشعر مع صور الشهداء، ولِد هذا الأدب من رحم الجرح، لا ليرثيه بل ليعيد تشكيل معناه.
إنه أدبٌ يكتب المأساة دون أن ينحني لها، ويُشيّد من ركام الهزيمة سُلّماً نحو الرجاء. ليس حبراً على ورق، بل وشلُ روح يتدفّق من فصد الألم، وغسق جرح يتوهّج في عتمة المعنى، ونداءُ أرض تأبى الانمحاء. لذا لم يعد ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجود، وصيغة بقاء.
وتتجلّى فرادته في لغته المفعمة بالألم والامل، فيها تتكثّف الدلالة حتى تغدو الكلمةُ رصاصة، ويصير الحرفُ موقفاً. و تتحوّل الأرض إلى أمّ، والشجر إلى أصل، والمفتاح إلى وعد والملح إلى عهد لا يُنقض. إنها لغةٌ لا تكتفي بوصف العتمة، بل تبذر في قلبها بذور الضوء، وتُراهن على انبثاق الفجر من خاصرة الليل.
والمقاومةُ بالأدبِ أعمقُ أشكالِ المواجهة، لأنها تخاطب قلبَ الإنسانِ وعقلَه وهويتَه. فالكاتبُ المقاوِمُ لا يُزيّنُ الكلامَ تزييناً، بل يقف شاهداً نزيهاً حين يُحاولُ الغازي والطاغيةُ إعادةَ كتابةِ التاريخِ بدماءِ الضحايا. إنه يُؤمنُ بأن القوةَ الغاشمةَ قد تحتلُّ الأرضَ، لكنها تظلُّ عاجزةً أبداً عن احتلالِ الخيال. ومن تحت رمادِ الفجيعةِ، ينبعثُ هذا الأدبُ كطائرِ الفينيق، مغموساً في محابرِ الوجع، يحرثُ بالكلماتِ الأرض حتى تُزهر ، ويجعلُ من الحجر استعارةَ وجود، ومن القصيدةِ وطناً بديلاً حين يُسرَقُ الوطن.
يبلغ هذا الأدب ذروة تجليّه في الأدب الفلسطيني ، حيث اصبحت للكلمة والبندقية فُوّهة واحدة. و من هنا نذكر غسان كنفاني الذي صاغ المفهوم وقرع جدار الصمت في روايته (رجال في الشمس) ، ومحمود درويش الذي وقف منذ البدايات هاتفاً في وجه المحتل الباغي.
يا دامي العينين والكفينْ
إن الليلَ زائلْ
لا غرفةُ التوقيف باقيةٌ
ولا زَرَدُ السلاسلْ
نيرون ماتَ، ولم تمُتْ روما…
بعينيها تقاتلْ
وحبوبُ سنبلةٍ تموتُ
تملأُ الوادي سنابلْ.
حتى أرتقى باللغة إلى أفق كوني، جاعلاً من الحقيبة وطن ومن الوطن حقيبة ومن رائحة البن جغرافيا ومن “الزيتونة” مجازاً للخلود، ومن الجمال فعلاً لمقاومة.
إن أدب المقاومة نبض انساني لا يحده عِرقٌ أو جغرافيا.ففي أوروبا تمخض من رماد الحرب حينما وظّف لوركا أغاني الغجر وحوّلها إلى تراتيل حرية، و في قصائد بول إيلوار التي كانت تُهرّب إلى الخنادق كما تُهرّب الأسلحة، وتُرتّل في السرّ بقداسة الصلوات، إلى مراثي أخماتوفا وصرخة سولجينيتسين المدوية عبر “أرخبيل الغولاغ” في الاتحاد السوفيتي. وصولاً إلى أمريكا اللاتينية حيث كانت قصائد نيرودا نشيد ثوار الانديز الاثير وفي أعمال غارسيا ماركيز التي حوّلت الذاكرة الدامية للشعوب المقهورة إلى أسطورةٍ حيّة تعاند الفناء. و بقيت الكلمة المقاومة دوماً صوتاً للثوار والمقهورين في أفريقيا وفيتنام و في كل بقاع الأرض، وظلت الكلمة هي الباقية حين يرحل الغزاة.
و الأدب المقاوم هو البرهان الحيّ على أن الشعوب لا تُهزم ما دام في قلبها نأمة و صوت يحكي وذاكرة تقاوم. وأن جذوة الكلمات تبقى حيّة لا تنطفئ، وأن القصائد أعمق أثراً و أطول عمراً من البنادق.

Leave a Reply