- مواكب ديسمبر لم تكن فعلًا سياسيًا فقط.. بل عرضًا ثقافيًا متكاملًا
– المنصات الرقمية تفتح فضاءات جديدة للنشر والتأثير والتفاعل
– أدب المقاومة لم يتراجع في العصر الرقمي.. بل أعاد تشكيل نفسه
– الأدب المقاوم متأرجح بين استشراف المستقبل وملاحقة نبض الجماهير
في زمن تتكثّف فيه الأسئلة حول دور الكلمة في مواجهة القمع، يظلّ الأدب أحد أكثر أشكال المقاومة عمقًا وتأثيرًا. من القصيدة التي تُشعل الوعي إلى الرواية التي تُعيد كتابة التاريخ من منظور الشعوب، يتشكّل أدب المقاومة بوصفه ذاكرة حيّة وضميرًا يقظًا.
في هذا الحوار، يقترب”ملف الهدف الثقافي” من تجربة الشاعر والروائي والناشط السياسي حسن بكري، القيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي، وأحد رموز انتفاضة ديسمبر 2018 ولجان المقاومة، لنستكشف معه تحوّلات هذا الأدب عبر محطات النضال المختلفة، من السودان إلى فلسطين..
حوار: عبد المنعم مختار
- في تتبّعك لمسار أدب المقاومة في السودان، كيف ترى التحوّل من خطاب مقارعة الاستعمار، إلى التعبير عن ثورات الداخل، من أكتوبر إلى مارس وأبريل وديسمبر؟ وهل تغيّرت اللغة أم تغيّر العدو؟
– لم تتغيّر اللغة، وإن تطوّرت طرائق التعبير لمواكبة المتغيرات، عبر تقنيات جمعت بين الفصحى والعامية، وحتى استخدام تعابير موغلة في المحلية مثل “الرندوك”، لتستوعب النصوص المصطلحات المستحدثة مثل “شفاته، جصلي، وووك اروووك”، ما انعكس على الأسلوب والقوالب الأدبية التي سعت لاستيعاب هذه التحولات.
وبقي “العدو) حاضرًا عبر الأزمات التي خلّفها من جهة، وعبر وكلائه من جهة أخرى، إذ يواصل هؤلاء النهج نفسه. كما أن بنية الاستعمار ما تزال قائمة بشكل أو بآخر، وهو ما يفسّر تعثّر تشكّل الدولة الوطنية ومخاض ميلادها العسير. ولا نزال نواجه تركة الاستعمار، وهو ما ظلّ الأدباء والشعراء يعبرون عنه. - هل تعتقد أن أدب المقاومة في السودان ظلّ وفيًا لنبض الشارع في كل مراحله، أم أنه في بعض اللحظات سبق الجماهير أو تأخّر عنها؟
– تأرجح الأدب المقاوم في السودان بين السبق والتأخر؛ إذ أسهم أحيانًا في استشراف دروب الخلاص وتقديم رؤى لمعالجة الأزمات، بينما تأخّر في أحيان أخرى عن حركة الشارع. ومع ذلك ظلّ ملاحقًا لنبض الجماهير، يوثّق فعلها ويعبّر عنه.
وقد تأثر هذا الأدب بالمقابل بتقلبات الواقع المقاوم نفسه، فعبّر حينًا عن الإحباط واليأس ويحفز الناس على النهوض، وظهر في بعض الحالات تناقض بين سلوك بعض الأدباء ومنتجهم الأدبي، بما يعكس التداخل العميق بين الأدب والسياسة وتأثير كل منهما في الآخر. - في رأيك، ما الذي ميّز الكتابة الأدبية المصاحبة لثورة ديسمبر تحديدًا؟ هل كانت أكثر جرأة، أم أكثر انفتاحًا على أشكال جديدة من التعبير؟
تتجلى أدبيات ثورة ديسمبر في ثلاثة عناصر رئيسية: البساطة، والتجديد، والتكامل.
– البساطة: اتسمت بالوضوح في التعبير، مثل: “لو خوفنا راح، وطريقنا مرصوف بالثبات ومشينا للحرية صاح” وهي صيغ بسّطت مفهوم الثورة وشروط الفعل المقاوم، لتكون المباشرة والبساطة حاضرة في سلسلة الديسمبريات لاحقًا. أمثلة أخرى: “عشان وطنك عشان وطني، ياطالع الشارع خلي الجبين مرفوع”، وكذلك شعارات مثل “تسقط بس”.
التجديد: دون قطيعة مع الموروث، ظهرت أشكال تعبيرية جديدة، كالقصائد القصيرة جدًا التي تحولت إلى شعارات وأهازيج، إضافة إلى إيقاعات مثل (فكو كرو كررو)، التي لم تكن مجرد ضجيج لحظي، بل تعبير مقاوم متصل بأدبيات الثورة.
التكامل: بين النص الأدبي والأنشودة والشعار، فامتزجت جميعها في قالب واحد، لتشكّل مشاهد أقرب إلى عروض شعرية حية أو مسرحيات شعرية داخل المواكب والاعتصامات. - حين ننتقل إلى فلسطين، كيف تقرأ خصوصية أدب المقاومة هناك في ظلّ عدو استيطاني طويل الأمد؟ وهل ترى أن الكلمة ما تزال قادرة على مضاهاة الفعل في هذا السياق؟
– تظل الكلمة فاعلًا مؤثرًا، بل بفاعلية أكبر في ظل تفكك بعض جبهات المقاومة وتشظي التنظيمات الثورية، إذ ظلّ الأدب حاضرًا بوصفه صوتًا مقاومًا من جهة، ومرآة تعكس واقع الأمة وإحباطاتها من جهة أخرى. وقد اكتسب أدب المقاومة الفلسطينية خصوصيته من كونه جزءًا من الوجدان العربي العام، إذ تجاوز الإطار المحلي ليصبح تعبيرًا عن مقاومة أوسع. وبرزت رموز مثل حنظلة للرسّام ناجي العلي، بوصفها حضورًا راسخًا في المخيلة العربية خارج حدود الجغرافيا الفلسطينية. كما لعبت كتابات غسان كنفاني ومدارس محمود درويش وكمال ناصر وسميح القاسم أدوارًا ملهمة في استنهاض الجماهير إبان الربيع العربي، وكانت كلماتها حاضرة في الميادين مثل التحرير. - هل تختلف بنية “العدو” في النصوص الأدبية بين التجربة السودانية والفلسطينية؟ وكيف ينعكس ذلك على الصورة الشعرية أو السردية؟
نعم، هناك اختلاف وتشابه في آن واحد بين التجربتين.
– في السودان، يظهر العدو غالبًا بصورة مركّبة “سلطة، فساد، صراعات داخلية”، لذلك تميل النصوص إلى الرمزية والتجريد وتعدد الدلالات دون تحديد خصم واحد واضح. أما في فلسطين، فيكون العدو محدد الهوية (احتلال خارجي)، ما يجعل الخطاب الأدبي أكثر مباشرة، مع حضور قوي لثيمات المقاومة والهوية والذاكرة.
ومع ذلك، يجمع بين التجربتين تشابه دلالي أعمق في رؤية مآلات الأقطار العربية، حيث تتقاطع النصوص في الإحساس باستمرار الأزمات واحتمال تكرار أشكال القمع أو الهيمنة. ويُعبّر الشاعر محمد الحسن حميد عن هذا التقاطع في قوله: “لسع فلسطين محتلة وفي فلسطينات راح تحتل”.
فرغم اختلاف تمثيل العدو في البنية النصية، يلتقي المغزى العام عند فكرة هشاشة الواقع وإمكانية تكرار المصائر، بما يمنح الأدب بعدًا إنسانيًا وتحذيريًا يتجاوز المحلي إلى القومي المشترك. - الانتفاضة الشعبية العربية أفرزت موجة واسعة من النصوص الثورية؛ برأيك، هل كانت هذه النصوص لحظة عابرة مرتبطة بزخم الشارع، أم أنها أسست لتقليد أدبي مستمر؟
– لم تكن نصوص الانتفاضة الشعبية لحظة عابرة مرتبطة بزخم الشارع فقط، ولا قطيعة تؤسس لتقليد أدبي منفصل، بل جاءت امتدادًا طبيعيًا للأدب العربي عمومًا، ولأدب المقاومة والثورة خصوصًا. فأدب الميادين كان امتدادًا لمشاريع عبد الرحمن منيف، واسيني الأعرج، وغسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، وكمال ناصر، وسميح القاسم، ومحمود درويش وغيرهم، وشكل حضورًا طاغيًا في الساحات.
وقد تجلّى هذا الامتداد في استمرارية الأشكال والروح عبر أجيال متعاقبة، كما في تجربة هشام الجخ الذي استفاد من إرث روّاد سابقين مثل الأبنودي، وفي تجربة محمد ربيع في رواية (عطارد) التي تعبّر عن خيبة الأمل. فبدت الحركة الأدبية سلسلة متصلة ثقافيًا وروحيًا، تتجدد أدواتها دون أن تنقطع جذورها، بما يحفظ لهذا اللون الأدبي حضوره وتطوره في آنٍ واحد. - في ما يتعلّق بالعراق، كيف تقارب أدبًا وُلد من رحم الاحتلال والتدمير؟ وهل يمكن للأدب أن يوثّق الألم دون أن يقع في فخّ التقريرية أو الاستهلاك العاطفي؟
– يجسّد (فرانكشتاين في بغداد) للروائي أحمد سعداوي، الفائز بجائزة البوكر، نموذجًا مكثّفًا لتقاطع توثيق الألم مع مساءلة الواقع وإعادة تخيّل الممكن، إذ يشتغل النص على بعث الأمل وتجسيد المقاومة ضمن بنية سردية متعددة الطبقات، مع حضور نقدي واضح للماضي، وتوثيق للخراب والدمار الذي طال بغداد وحوّل المنارة لخرابة. وتكشف الرواية عن قدرة الأدب العربي الحديث على استيعاب العاطفة وتطويعها فنيًا دون الوقوع في المباشرة أو التقريرية، من خلال بناء رمزي ولغة سردية متوازنة تحافظ على عمق الدلالة وتمنع انزلاق النص إلى الاستهلاك العاطفي، ما يجعلها مثالًا على كيفية تحويل الألم إلى مادة فنية متماسكة ذات أثر جمالي ومعرفي. ويظل اسم الشاعر الكبير عبدالرزاق عبد الواحد من عمالقة شعر المقاومة عربيًا وعالميًا. - ماذا تقول عن تجربة لجان المقاومة وما المأمول منها، حسب تجربتك معها؟
– لجان الأحياء والمقاومة هي البذرة الحلال التي بُذرت في أرضنا إبان هبة سبتمبر المجيدة، ففرهدت وأينعت في ديسمبر. التجربة الأعظم، في اعتقادي، تؤشر عبقرية شعبنا في ابتكار قوالب نضالية ومواعين تستوعب طاقات الشباب وتوظفها لخدمة الشعب، في إطار ديمقراطي كفل فاعلية أوسع ومرونة تنظيمية لم تكن متاحة للتنظيمات السياسية.
انتقلت لها أمراض العمل السياسي والعام للأسف، فتأثّرت بالاستقطاب السياسي والاستقطاب المضاد، ما انعكس على فاعليتها وقاد إلى هدر عدد من عضويتها لصالح منظومات ثورية ومدنية سعت لاستيعابهم. والمأمول هو مراجعة التجربة وتقييمها بصدق ومسؤولية، مع السعي لوحدة اللجان بتوحيد الرؤى والمواثيق المُعبرة عنها، وأحوج ما يكون شعبنا اليوم لمولده الحلال. - عدّد للقارئ إصداراتك، الروائي منها والشعري.. وماذا ينتظر القارئ ؟
نشرت ثلاثة أعمال روائية: (كنو ابن النهر ) عن دار الدار، 2013، (مراد) عن دار رفيقي، 2017، (زورق إلى الجنة) عن دار رفيقي، 2021، وكذلك ديوان شعر (جرح التبلدية) خلال فترة الدراسة الجامعية. وقد فقدت بالحرب مسودة رواية (إله نازح (التي توثق هجرة النوبيين بعد بناء السد العالي. والآن بصدد نشر مجموعة قصصية بعنوان (زفاف أحمر)، والوعد للقراء بقصص توثّق جراح شعبنا وآلامه عبر أحاجي، تعقبت خلالها رحلة نزوح أهلنا واللجوء وما صاحب ذلك من انتهاكات، حيث أطفأت أنوار الخرطوم الحبيبة في الخامس عشر من أبريل، واندلعت الحرب قبل أن تغطي عموم السودان. تجربة سردية مختلفة، آمل أن أوفق عبرها في حفظ ذاكرة شعبنا في زمان يُزيف فيه كل شيء. - أخيرًا، في ظل عالم رقمي سريع ومتغيّر، هل ما يزال لأدب المقاومة نفس الأثر، أم أن أشكالًا جديدة من التعبير “كالمنصات الرقمية” باتت تفرض تعريفًا مختلفًا للمقاومة الثقافية؟
– لا يزال لأدب المقاومة أثره الفاعل رغم التحوّلات الرقمية المتسارعة، إذ لم يفقد حضوره، بل أعاد تشكيل أدواته بما ينسجم مع إيقاع العصر. فقد أسهمت القصّة القصيرة في هذا التكيّف نظرًا لقدرتها على الاختزال ومواكبة سرعة التلقي، كما ظهرت أنماط أكثر تكثيفًا مثل “الومضة”، التي تعيد تشكيل السرد في أقصر صوره، رغم الجدل النقدي حولها.
وفي المقابل، يتزايد وعي الأدباء بأهمية المنصات الرقمية بوصفها فضاءً جديدًا للتعبير والنشر، حيث تتقاطع الأشكال التقليدية مع الوسائط الحديثة، وتتحول الكتابة إلى ممارسة أكثر تفاعلية وانفتاحًا، قد تجمع مستقبلًا بين السرد النصي والتعبير البصري، أو تتخذ صيغًا هجينة تعكس طبيعة التحولات التقنية والثقافية الراهنة.

Leave a Reply